سُورَةُ الْبَقَرَةِ

2|1|بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ الٓمٓ

ابدأ تلقي القرآن باسم الله، مستعينًا به، راجيًا رحمته، وموقنًا أن فهم كلامه والعمل به لا يكونان إلا بفتحه وتوفيقه. وقف أمام قوله: ﴿الٓمٓ﴾ بتسليم وتواضع؛ فالله أعلم بمراده بهذه الحروف، ولا تتكلف لها تفسيرًا لم يثبت، ولا تنسب إلى الله معنى بلا علم، ولا تجعل عجزك عن إدراك بعض حكم القرآن وأسراره مدخلًا للشك أو الإعراض. بل آمِن أن القرآن كله حق من عند الله، واقرأه طلبًا للهداية والعمل، لا طلبًا للجدل أو إظهار المعرفة. وإذا أشكل عليك معنى، فتثبت مما صح من بيان القرآن والسنة وأقوال المفسرين الموثوقين، وقف حيث ينتهي الدليل وعند عند حدود ما ثبُت. واجعل ميزانك أن العقل نعمة من الله تُستعمل في الفهم والتدبر، لا في ادعاء الإحاطة بكل شيء؛ فالمؤمن يتعلم فيما يمكن له عِلمه، ويسلّم لله فيما استأثر الله بعلمه، ويعمل بما ثبت له من هدى القرآن.

2|2|ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًۭى لِّلْمُتَّقِينَ

تعامل مع القرآن بوصفه كتابَ الله الحق الذي لا ريب في صدقه ولا في نزوله من عنده؛ فاقرأه طالبًا معرفة مُراد الله والعمل به، لا لتثبيت رأي سبق أن اخترته، واجعل أحكامه وموازينه حاكمةً لعبادتك وأخلاقك ومالك وعلاقاتك وقراراتك. وهيّئ قلبك للانتفاع به بالتقوى: اخشَ الله، وأخلص له، وامتثل أمره، واجتنب ما يسخطه ويعرّض لعقابه، واقبل الحق ولو خالف هواك أو مصلحتك العاجلة. واسأل الله أن يفتح لك فهم كتابه، ويوفقك للعمل به والثبات عليه؛ فالهداية منه وحده، والانتفاع الكامل بالقرآن يكون لمن أقبل عليه بصدق واستجاب له بطاعة. وإذا أشكل عليك معنى، فلا تجعل الإشكال مدخلًا للارتياب؛ بل تتبّع بيانه في القرآن، وما صحّ عن رسوله ﷺ، وكلام المفسرين الموثوقين. واجعل ميزانك أن اليقين بالكتاب يظهر في تقديم حُكمه على الهوى، وأن التقوى تظهر في امتثال هدايته وترك ما يخالفها.

2|3|ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ

اجعل إيمانك بالغيب يقينًا ثابتًا بكل ما أخبر الله به في كتابه وما صحّ عن رسوله ﷺ، من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر وسائر أمور الغيب الثابتة، وإن غابت عن حواسك أو عجز عقلك عن الإحاطة بحقيقتها وكيفيتها؛ فخبر الله حق لا يتطرق إليه شك، وعلمه محيط بكل شيء. وأقم الصلاة بالمحافظة على أوقاتها وشروطها وأركانها وخشوعها، ولا تؤدِّها عادةً بلا حضور أو أثر؛ بل اجعلها ظاهرةً في استقامتك وأخلاقك وأقوالك وأفعالك. وأنفق من المال الذي رزقك الله، فأدِّ الزكاة والنفقات والحقوق الواجبة، وأعن المحتاج، وتصدّق في وجوه الخير بقدر استطاعتك، عالمًا أن ما في يدك عطية وأمانة أتاحها الله لك زمنًا محدودًا. ولا تجعل انشغالك بالمحسوس والدنيا يضعف يقينك بالآخرة، ولا يمنعك الشح من الإنفاق؛ فصدق الإيمان بالغيب يظهر في عبادة مستقيمة، وصلاة مُقامة، ومال يُستعمل في طاعة الله، وحياة على الإيمان يقودها اليقين بوعده ورضوانه وجنته.

2|4|وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ

آمن إيمانًا كاملًا بكل ما أنزل الله على رسوله محمد ﷺ، فاقبل القرآن كله تصديقًا واتباعًا، ولا تنتقِ من أوامره وأحكامه ما يوافق هواك وتترك ما يخالفه. وآمن بأن الكتب التي أنزلها الله على رسله من قبل كانت حقًّا وهدايةً لأقوامهم، ووقِّر جميع رسله وكتبه، مع التزام القرآن الذي ختم الله به كتبه وجعله مُهيمنًا على ما سبقه منها. واتبع الإسلامَ دينَ الله الذي ارتضاه لعباده ومنهجَه في الحياة، والتزم شريعة النبي محمد ﷺ التي نسخت ما سبقها من الشرائع. واجعل يقينك بالآخرة راسخًا بالبعث والحساب والجزاء والجنة والنار، لا معرفةً ذهنية لا تغيّر السلوك؛ فزِنْ أقوالك وأعمالك وأداءك لحقوق الناس بما ترضى أن تلقى الله به. واعلم أن الدين المقبول عند الله هو الإسلام، فلا تؤمن ببعض وحي الله وتعرض عن بعض اتباعًا للهوى، ولا تجعل انشغالك بالحاضر ينسيك المصير الأبدي؛ بل عِشْ مؤمنًا بكل ما أنزل الله، عاملًا بالرسالة الخاتمة، مستعدًا للآخرة بتوبة صادقة وطاعة وامتثال، واسأل الله الهداية والثبات حتى تلقاه مؤمنًا موقنًا بالآخرة، راجيًا عفوه ورضوانه وجنته.

2|5|أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدًۭى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ

اجعل ميزان نجاحك هو ثباتك على هُدى الله، لا كثرة ما تملك ولا إعجاب الناس بك؛ فالذين جمعوا الإيمان بالغيب، وإقامة الصلاة، والإنفاق مما رزقهم الله، والتصديق بوحيه كله، واليقين بالآخرة، هم الذين أقامهم ربهم على طريق الهداية ووفقهم لسلوكه. فراجع نفسك في هذه الصفات، ولا تكتفِ بالانتساب إلى الإيمان أو معرفة الحق من غير أثر في عبادتك ومالك وسلوكك. واشكر الله على كل هداية تبلغها، ولا تنسبها إلى ذكائك أو جهدك استقلالًا؛ فهي من ربك، وبفضله تبدأ، وبعونه تثبت وتزداد. واجعل ما آتاك الله من مال ووقت وصِحة وقُدرة ومكانة وسائل تستعين بها على طاعته وابتغاء الآخرة، لا غايات تستغرق قلبك، مع الانتفاع بنصيبك المباح من الدنيا دون إسراف أو غفلة. ولا تجعل النجاح الدنيوي العابر دليلًا كافيًا على الفلاح، ولا تضحِّ بدينك من أجل مكسب مؤقت؛ فالفلاح الحقيقي أن تنال رضا الله وخيره، وتنجو من سخطه وعذابه، وتلقاه ثابتًا على هداه، فائزًا برضوانه وجنته.

2|6|إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

احذر أن تردَّ الحق بعد ظهوره، أو تتمادى في الكفر والعناد حتى يستوي عندك الإنذار وعدمه، فلا تنتفع بموعظة ولا تستجيب لتحذير؛ بل بادر إلى قبول ما جاءك من عند الله، واسأله قلبًا حيًّا يسمع الحق ويخضع له، ولا تؤجل التوبة كلما ذُكِّرت بعاقبة الإعراض. وإذا دعوت غيرك إلى الله، فبلّغ الحق بوضوح وحكمة، وكرّر النصح بالقدر المشروع، لكن لا تظن أنك تملك هداية القلوب؛ فالقلوب والهداية بيد الله، وقد يرسخ بعض الناس في الكفر والعناد حتى لا يؤثر فيهم الإنذار ولا التخويف من عقابه. ولا تُنزِّل هذا الحكم على شخص بعينه من غير علم، فالبواطن ومآلات القلوب لا يعلمها إلا الله، ولا تحكم على أحد بأن باب الإيمان قد أُغلق دونه؛ بل أدِّ واجب البلاغ، وتمنَّ للناس الهداية والنجاة بصدق، ولا تفتر عن دعوتهم بالحكمة والموعظة الحسنة، واترك نتائج الهداية لله، واحذر لنفسك طريق من عرفوا الحق ثم أصروا على رفضه حتى حُرموا الانتفاع به.

2|7|خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰٓ أَبْصَـٰرِهِمْ غِشَـٰوَةٌۭ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ

احذر الإصرار على ردّ الحق بعد معرفته؛ فإن التمادي في الإعراض والعناد قد يبلغ بالإنسان أن يعاقبه الله بختم قلبه وسمعه، فلا يفقه الهدى ولا ينتفع بالموعظة، وتكون على بصره غشاوة تحجبه عن الاعتبار بدلائل الحق القائمة أمامه. فاستعمل قلبك في تدبر الوحي، وسمعك في قبول الحق والنصيحة، وبصرك في التأمل في آيات الله والاعتبار بها، وبادر إلى التوبة كلما تبيّن لك خطؤك، واسأل الله أن يحفظ قلبك من الزيغ، وسمعك من الإعراض، وبصيرتك من العمى عن الحق. ولا تجعل تكرار الذنب أو ردّ النصيحة عادةً تضعف استجابتك لله، ولا تحكم على شخص بعينه بأن الله ختم على قلبه؛ فحقائق القلوب وخواتيم الناس لا يعلمها إلا الله. وتذكّر أن الحرمان من الهداية يقود إلى عذاب عظيم؛ فصُن قلبك وسمعك وبصرك بالإيمان والتواضع والتوبة والامتثال، حتى تبقى مستجيبًا للحق منتفعًا به.

2|8|وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ

احذر أن تجعل الإيمان قولًا باللسان يخالف ما في القلب؛ فالإيمان بالله واليوم الآخر ليس دعوى تُقال طلبًا للأمان أو القبول أو المصلحة، بل يقين صادق يظهر في الإخلاص والطاعة والاستعداد للقاء الله. فراجع نفسك: هل توافق خلواتك ما تعلنه أمام الناس؟ وهل يقودك إيمانك إلى ترك المعصية وأداء الحقوق والصدق في القول والعمل؟ وإذا وجدت تعارضًا بين ظاهرك وباطنك، فلا تستره بالمظاهر الدينية، بل بادر إلى التوبة، وصحّح نيتك، واسأل الله أن يرزقك صدق الإيمان والإخلاص والثبات. ولا تغتر بكثرة الحديث عن الدين من غير امتثال، ولا تحكم على شخص بعينه بالنفاق لمجرد الظن؛ فسرائر القلوب لا يعلمها إلا الله. واجعل ميزانك أن حقيقة الإيمان لا تثبت بمجرد قول: «آمنا»، بل بتصديق القلب، وإقرار اللسان، وعمل الجوارح.

2|9|يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ

لا تحاول أن تُظهر لله وللمؤمنين صلاحًا يخالف ما تُبطن؛ فالله يعلم السر وأخفى، ولا تخفى عليه نية ولا حيلة، وإنما يعود خداعك عليك بإفساد قلبك، وإثقال ذنبك، وحرمانك من صدق الإيمان وأمانة التعامل. فاجعل ظاهرك وباطنك متوافقين، وكن صادقًا في عبادتك ووعودك وعلاقاتك، ولا تتخذ الدين أو الكلام الطيب ستارًا لمصلحة أو خيانة أو تضليل. وفتّش في نفسك قبل أن تلوم غيرك: هل أبرر خطئي؟ هل أُظهر غير ما أريد؟ هل أقنع نفسي أن الحيلة نجاة وهي في حقيقتها خسارة؟ ولا تغتر بنجاح خداع مؤقت أو بعدم اكتشاف الناس له؛ فقد تخدعهم حينًا، لكنك لا تخدع الله، وقد تكون أول من لا يشعر بما يصنعه الخداع في قلبه ومصيره. فاطلب من الله الصدق والبصيرة، وبادر إلى التوبة وردّ الحقوق قبل أن يستحكم عليك خداع النفس.

2|10|فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًۭا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ

فتّش قلبك من أمراض الشك والنفاق والكذب، ولا تتركها تنمو بالتبرير والإصرار؛ فمرض القلب هنا ليس علةً جسدية، بل فسادٌ في الإيمان والنية يجعل صاحبه يُظهر الحق ويُبطن خلافه. فإذا وجدت ترددًا في قبول أمر الله، أو مخالفةً متعمدة بين قولك وعملك، فبادر إلى التوبة والصدق، واطلب من الله أن يطهّر قلبك ويثبته على الإيمان. ولا تظن أن التمادي بلا عاقبة؛ فمن يختار المرض ويرفض علاجه بالهداية قد يعاقبه الله بزيادة ضلاله وحيرته جزاءً على إصراره، لا ظلمًا له. واحذر الكذب، ولا سيما ادعاء الإيمان أو الصلاح مع إبطان خلافه؛ فإنه يفسد القلب ويقود إلى عذاب أليم. واجعل ميزانك أن سلامة القلب تُحفظ باليقين والإخلاص والصدق والتوبة، وأن الله وحده يشفي القلوب ويهديها.

2|11|وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ قَالُوٓا۟ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ

لا تجعل حسنَ الوصف الذي تطلقه على عملك يحجب عنك حقيقته؛ فقد يمارس الإنسان فسادًا في الدين أو الأخلاق أو الحقوق أو العلاقات، ثم يسمّيه إصلاحًا لأنه يوافق هواه أو يحقق مصلحته. فإذا نُبّهت إلى خطأ أو ضرر، فلا تبادر إلى الإنكار وتزكية نفسك، بل توقّف، وافحص قولك وفعلك بميزان كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وانظر في آثاره على الحق والعدل ومصالح الناس. ولا تجعل النية التي تراها حسنة مبررًا لوسيلة محرمة أو نتيجة فاسدة، ولا تسمِّ الظلم حزمًا، ولا الكذب مصلحةً، ولا نشر الباطل إصلاحًا. واستمع للنصيحة بتواضع، واعترف بالخطأ، وأصلح ما أفسدته، واسأل الله أن يبصّرك بعيوب نفسك؛ فالإصلاح الحقيقي ما وافق هدى الله وأزال الفساد، لا ما زيّنته النفس وادّعت به الصلاح.

2|12|أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ

انتبه إلى خطورة أن يستحكم فساد العمل حتى يظن صاحبه أنه إصلاح؛ فليس ميزان الأفعال ما تسميه أنت أو ما تقنع به نفسك، بل ما يحكم الله به وما يترتب عليها من حفظ للدين والحق والعدل أو إضرار بها. فراجع آثار أقوالك وقراراتك في نفسك وأهلك والناس، واقبل التنبيه الصادق، ولا تدافع عن الخطأ لمجرد أنك اعتدت عليه أو أحسنت وصفه. وإذا ظهر لك ضرر سببتَه، فتوقف عنه، واعترف به، وأصلح ما استطعت، وردّ الحقوق، واسأل الله بصيرةً تكشف لك عيوب نفسك قبل أن تعمى عنها. ولا تأمن أن تفقد الإحساس بفسادك مع كثرة التبرير والإصرار؛ فقد يكون الإنسان هو المفسد حقًّا وهو لا يشعر. فاجعل ميزانك هدى الله، لا دعوى النفس، وعلامة الإصلاح أن يوافق الحق ويزيل الضرر، لا أن يمنحك صورة المصلح.

2|13|وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا۟ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُ ۗ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَـٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ

لا تجعل الكِبر أو الخوف على مكانتك يمنعك من الإيمان الصادق كما آمن أصحاب رسول الله ﷺ والمؤمنون المخلصون؛ فاقبل الحق بتواضع، واتبع الوحي ولو خالف مألوفك أو عرّضك لسخرية الناس، ولا تَزْدَرِ أهل الإيمان لصدقهم أو طاعتهم أو تجردهم لله. وراجع ميزانك قبل أن تصف أحدًا بالسفه: أتحكم بحكم الله، أم تجعل الذكاء في المصلحة العاجلة والمراوغة ومسايرة الباطل؟ فالسفه الحقيقي أن يعرف الإنسان طريق النجاة ثم يرفضه، وأن يبيع آخرته حفاظًا على صورة أو منفعة زائلة، ثم لا يدرك حقيقة خسارته. فلا تحتقر المؤمنين ولا تستهزئ باستقامتهم، ولا تجعل غرورك يحجب عنك عيبك؛ بل اسأل الله علمًا يكشف لك الحق، وتواضعًا لقبوله، وثباتًا على الإيمان، فالعاقل من اهتدى بهدى الله وعمل به.

2|14|وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ قَالُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ

لا تجعل لك وجهًا مع المؤمنين ووجهًا آخر مع أهل الباطل؛ فتُظهر الإيمان والصلاح حين تلقى أهل الطاعة، ثم تعود في خلواتك ومجالس أصحاب السوء إلى تأييد المعصية أو السخرية من الدين وأهله. فوحِّد ظاهرك وباطنك على طاعة الله، واثبت على الحق في حضور الناس وغيابهم، واختر من الصحبة من يقوّي إيمانك لا من يدعوك إلى النفاق والاستهزاء. ولا تقل لكل فريق ما يرضيه طلبًا للقبول أو حمايةً لمصلحة، ولا تجعل شعائر الإسلام والمؤمنين مادةً للمزاح أو الانتقاص؛ فالاستهزاء بالدين ليس ذكاءً ولا تسلية، بل انحراف خطير يكشف فساد القلب. وراجع نفسك: مع من يكون ولاؤك الحقيقي حين تخلو؟ واسأل الله الإخلاص والشجاعة والثبات؛ فصدق الإيمان أن تكون مع الله في السر والعلن، لا أن تتظاهر به أمام المؤمنين ثم تنقلب عليه مع شياطين الإنس.

2|15|ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ

لا تستهزئ بدين الله ولا بالمؤمنين، ولا تظن أن نجاتك المؤقتة من العقوبة تعني رضا الله عنك؛ فإن الله يجازي المستهزئين باستهزائهم جزاءً عادلًا يليق بجلاله، ويكشف خديعتهم ويجعل عاقبة مكرهم عليهم. واحذر أن تستمر في المعصية والطغيان لأن أبواب الدنيا ما زالت مفتوحة أمامك؛ فقد تكون المهلة استدراجًا وزيادةً في الحجة، لا تكريمًا ولا أمانًا. فإذا رأيت نفسك تتمادى في الباطل، وتتخبط بين الشك والهوى، ولا تعرف طريق الرجوع، فبادر إلى التوبة، واطلب من الله بصيرةً تهديك وثباتًا يردّك إلى الحق. ولا تجعل طول الإمهال يطمئنك إلى خطئك؛ فالعَمَه الحقيقي أن يتيه القلب في الطغيان وهو يظن أنه يحسن السير، والنجاة أن تستجيب لله قبل أن يصبح الإصرار عقوبةً تحجب عنك طريق الهدى.

2|16|أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَـٰرَتُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ

لا تستبدل هدى الله بما يوافق الهوى أو يحقق منفعةً عاجلة؛ فكل قرار تترك فيه الحق من أجل مال أو منصب أو قبول الناس أو شهوة هو صفقة خاسرة، مهما بدا لك ربحها في الدنيا. وازن اختياراتك قبل الإقدام عليها: ماذا سأكسب الآن، وماذا سأفقد من ديني وقلبي وآخرتي؟ وتمسّك بالقرآن وسنة رسوله ﷺ، ولا تبع اليقين بالشك، ولا الطاعة بالمعصية، ولا رضا الله برضا الخلق. وإذا زللت فارجع سريعًا، ولا تواصل طريقًا خاطئًا دفاعًا عن قرار سابق؛ فالهداية من الله، فاسأله أن يبصّرك بالحق ويثبتك عليه. واجعل تجارتك الرابحة أن تبذل دنياك في طاعة الله، لا أن تضحي بالهدى لأجل الدنيا؛ فمن اختار الضلالة بدل الهدى خسر الصفقة والطريق معًا.

2|17|مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَارًۭا فَلَمَّآ أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَـٰتٍۢ لَّا يُبْصِرُونَ

لا تكتفِ بنورٍ عابر يحيط بك من سماع القرآن أو صحبة المؤمنين أو إظهار الإيمان، بينما يبقى قلبك خاليًا من التصديق والإخلاص؛ فالنور الحقيقي هداية يضعها الله في القلب، وتثبت بالصدق والطاعة والعمل. وإذا أضاء لك الحق طريقك، فلا تطفئ أثره بالنفاق أو الإعراض أو العودة إلى الهوى؛ بل تمسّك به، واسأل الله أن يزيدك نورًا ويثبّتك عليه، فالهداية والقدرة على رؤية الحق منه وحده. ولا تغتر بانتفاع دنيوي مؤقت تحققه مظاهر الصلاح؛ فقد يزول ذلك الضوء، ويُترك صاحبه في ظلمات الشك والنفاق والحيرة، لا يبصر طريق النجاة ولا يعرف كيف يرجع إليه. واجعل ميزانك أن نور الإيمان لا يُحفظ بالمظهر، بل بصدق القلب، واستقامة العمل، وسرعة التوبة كلما زللت، والافتقار الدائم إلى الله ألا يسلبك نور الهداية بعد أن أراك الحق.

2|18|صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌۭ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ

لا تجعل لك سمعًا يسمع الحق ثم يرفضه، ولسانًا يعرفه ثم يمتنع عن الإقرار به، وبصرًا يرى دلائله ثم يتعامى عنها؛ فالصمم والبكم والعمى هنا ليست عاهات جسدية، بل صورٌ لاستحكام الإعراض عن هدى الله حتى يفقد الإنسان الانتفاع بوسائل الإدراك التي وهبه الله إياها. فاستمع إلى القرآن والنصيحة بقصد القبول، وانطق بالحق واعترف بخطئك، وانظر في آيات الله بعين الاعتبار، وبادر إلى التوبة متى تبيّن لك الانحراف. ولا تكرر ردّ الحق أو كتمانَه أو تجاهل دلائله حتى تألف الضلال وتعجز عن الرجوع منه، ولا تحكم بهذه الحال على شخص بعينه؛ فالله أعلم بالقلوب. واسأله أن يفتح سمعك وقلبك للهدى، ويطلق لسانك بالصدق، وينير بصيرتك؛ فالرجوع إلى الحق توفيق من الله، ومن تعمّد إغلاق قلبه وسمعه وبصره عن الحق، حُرم الانتفاع بها في معرفة الهدى والرجوع إليه

2|19|أَوْ كَصَيِّبٍۢ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَـٰتٌۭ وَرَعْدٌۭ وَبَرْقٌۭ يَجْعَلُونَ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ ۚ وَٱللَّهُ مُحِيطٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ

لا تتعامل مع الوحي كمن يقف تحت مطرٍ يحمل الحياة، ثم لا يرى منه إلا الظلمات والرعد والصواعق؛ فالقرآن هداية ورحمة، لكنه يتضمن أيضًا أوامر ونواهي وتحذيرًا من العذاب وكشفًا للنفاق، ومن في قلبه مرض يخاف هذه المعاني لأنها تفضح باطله وتهدد مصالحه. فلا تغلق سمعك عن آية تخالف هواك، ولا تهرب من موعظة تذكّرك بالموت والحساب، ولا تنتقِ من الدين ما يطمئنك وتعرض عمّا يطالبك بالتوبة والتغيير. بل استمع إلى كلام الله كله بقلب خاشع، وافهم التحذير رحمةً تدعوك إلى النجاة، واسأله أن يبدد ظلمات الشك والنفاق بنور الإيمان. واعلم أن تجاهل الحق لا يحميك من عاقبته؛ واعلم أن إغلاق أذنيك عن تحذير الله لا يرفع عنك الخطر الذي حذّرك منه؛ فكما أن وضع الأصابع في الآذان لا يوقف الصاعقة ولا يمنع الموت إذا جاء، فإن رفض سماع الوحي لا يبطل حكم الله ولا يحمي من عقابه. والله محيط بالكافرين علمًا وقدرةً وسلطانًا، فلا تخفى عليه أعمالهم، ولا يعجزونه، ولا يستطيعون الفرار من قضائه وجزائه.

2|20|يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَـٰرَهُمْ ۖ كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا۟ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا۟ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

لا تجعل استجابتك لهدى الله مرتبطةً بما يوافق راحتك ومصلحتك؛ فتسير مع الحق حين يفتح لك بابًا تحبه، ثم تتوقف عنه إذا كلّفك صبرًا أو تضحيةً أو خالف هواك. فالنور الخاطف لا يصنع هدايةً ثابتة، ومن يتردد بين الإقبال والإعراض يبقى حائرًا لا يستقر له طريق. تمسّك بالوحي في السعة والشدة، وأدِّ الطاعة حين تنشط وحين تثقل عليك، واطلب من الله نورًا ثابتًا يبصّرك بالحق ويعينك على السير فيه. ولا تغتر بسلامة سمعك وبصرك أو بقدرتك على فهم ما حولك؛ فهي نعم من الله، ولو شاء لسلبها في لحظة، فهو على كل شيء قدير. فاستعمل سمعك في قبول الحق، وبصرك في الاعتبار بآياته، واشكره بالطاعة، واسأله ألا يحرمك نور الهداية بسبب التردد أو النفاق أو الإعراض.

2|21|يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

استجب لنداء الله الموجَّه إلى الناس جميعًا، فأفرده وحده بالعبادة، وأخلص له الدعاء والصلاة والطاعة والخوف والرجاء، ولا تجعل له شريكًا في قلبك أو عملك. واعبد ربك مستحضرًا أنه خالقك ومربّيك ومدبّر أمرك، وأن وجودك وقدرتك وحياتك وكل ما تملك منه وحده؛ فلا تستكبر عن طاعته، ولا تنسب الفضل إلى نفسك أو إلى الأسباب استقلالًا. وتذكّر أنه خلق من سبقك كما خلقك، وأن الناس جميعًا عباده، فلا تغتر بنسب أو مال أو مكانة، ولا تتبع طريق الآباء إذا خالف هدى الله. واجعل عبادتك طريقًا إلى التقوى: اخشَ الله، وامتثل أمره، واجتنب ما يسخطه، وراقبه في السر والعلن. ولا تجعل العبادة شعائر بلا أثر؛ بل ليظهر صدقها في أخلاقك وحقوق الناس وقراراتك، واسأل الله أن يعينك على عبادته حتى تحيا متقيًا وتلقاه ثابتًا على طاعته.

2|22|ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ فِرَٰشًۭا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءًۭ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقًۭا لَّكُمْ ۖ فَلَا تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًۭا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ

استحضر نعم الله المحيطة بك في كل يوم: أرضًا مهّدها لتستقر عليها وتعيش، وسماءً رفعها وحفظ نظامها، وماءً أنزله فأحيا به الأرض وأخرج الثمرات رزقًا لك؛ فاعترف أن السكن والأمن والطعام والماء وأسباب الحياة كلها من تدبير الله وفضله، واشكره باستعمالها في طاعته، وعدم الإسراف فيها أو التكبر بها. وخذ بأسباب الرزق من عمل وزراعة وتجارة، لكن لا تنسب العطاء إلى جهدك أو الطبيعة أو الأسباب استقلالًا؛ فالله هو الذي خلق الأسباب وأودع فيها أثرها، وهو وحده الرازق. فلا تجعل لله ندًّا في العبادة أو الدعاء أو الخوف أو الرجاء أو المحبة التي لا تكون إلا له، ولا تقدّم أمر أحد على أمره. وما دمت تعلم أنه الخالق المنعم المدبر، فلا تجعل علمك حجةً عليك؛ بل حوّله إلى توحيد صادق، وشكر عملي، وطاعة كاملة لله وحده.

2|23|وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍۢ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍۢ مِّن مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ

إذا عرض لك خاطر شك في أن القرآن منزّل من عند الله، فلا تستسلم له ولا تخفه خلف الجدل؛ بل ارجع إلى القرآن نفسه، وتأمل نظمه ومعانيه وهدايته وتشريعه، واستحضر تحدّي الله للمنكرين أن يأتوا بسورة من مثله، مع الاستعانة بمن يشاؤون من أنصارهم وشهدائهم، فعجزوا ولن يملكوا أن يجعلوا كلام البشر مساويًا لكلام رب العالمين. وآمن أن هذا الوحي نزل على محمد ﷺ، عبدِ الله ورسوله، وأن العبودية لله أعلى مقام وأشرف وصف. ولا تجعل كثرة الموافقين لرأيك أو ثقتك بعقول البشر دليلًا على صحة الاعتراض، ولا تدّعِ صدقًا لا تستطيع إقامة حجته؛ بل كن صادقًا في طلب الحق، واقبل البرهان إذا ظهر، واسأل الله أن يفتح قلبك لفهم كتابه ويثبتك على اليقين؛ فالحجة من الله، والهداية إليه، والعجز عن معارضة القرآن شاهد على صدقه وإعجازه.

2|24|فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا۟ وَلَن تَفْعَلُوا۟ فَٱتَّقُوا۟ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ

إذا عجز الناس عن الإتيان بمثل القرآن ـ وقد أخبر الله أنهم لن يفعلوا ـ فلا تجعل العناد يحملك على ردّ الحق بعد قيام حجته؛ بل آمن بأن القرآن كلام الله، واخضع له تصديقًا واتباعًا. واتقِ النار بالإيمان الصادق، والتوبة، وطاعة الله، وترك الكفر والمعصية، ولا تؤجل الرجوع إليه اعتمادًا على عمر لا تضمنه أو عذاب لم تره بعد. واستحضر شدة هذه النار التي جعل الله وقودها الناس والحجارة، فلا تهوّن وعيدها، ولا تجعل الحديث عنها صورةً عابرة لا تغيّر سلوكك. وحاسب نفسك: هل يقودك يقينك بصدق القرآن إلى امتثال أوامره واجتناب نواهيه؟ ولا تسلك طريق الكافرين الذين أُعدّت لهم النار بسبب رفضهم الحق؛ بل اسأل الله أن يثبتك على الإيمان، وينجيك برحمته من عذابه، واجعل خوفك من النار دافعًا إلى التوبة والعمل، لا إلى اليأس من عفو الله.

2|25|وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُوا۟ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍۢ رِّزْقًۭا ۙ قَالُوا۟ هَـٰذَا ٱلَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَأُتُوا۟ بِهِۦ مُتَشَـٰبِهًۭا ۖ وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌۭ مُّطَهَّرَةٌۭ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ

اجمع في سيرك إلى الله بين الخوف والرجاء، والوعيد والبشارة؛ فبعد الوعيد بالنار تأتي البشارة لمن صدق إيمانه وأثبت صدقه بالأعمال الصالحة. فلا تكتفِ بدعوى الإيمان، بل حوّله إلى صلاة وطاعة وصدق وإحسان وتركٍ للمعصية، وارجُ رحمة الله ووعده بجناتٍ تجري الأنهار من تحتها، ورزقٍ متجدد تتشابه ثماره في الهيئة ويجد أهلها فيها لذةً لا تنقطع. ولا تبع هذا النعيم الدائم بلذة محرمة أو منفعة زائلة؛ ففي الجنة أزواج مطهّرة من كل أذى ونقص، وحياة لا موت بعدها ولا خوف من زوالها. وبشّر المؤمنين بوعد الله كما أمر، ولا تجعل خطابك وعظًا بالتخويف وحده؛ بل افتح للناس باب الأمل مع دعوتهم إلى العمل. واسأل الله أن يرزقك إيمانًا صادقًا وعملًا صالحًا، ويدخلك الجنة برحمته خالدًا فيها.

2|26|۞ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسْتَحْىِۦٓ أَن يَضْرِبَ مَثَلًۭا مَّا بَعُوضَةًۭ فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلًۭا ۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرًۭا وَيَهْدِى بِهِۦ كَثِيرًۭا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلْفَـٰسِقِينَ

لا تحتقر مثلًا في القرآن لصِغَر الشيء المذكور فيه؛ فالله يضرب من الأمثال ما يشاء، بالبعوضة وما فوقها، ليكشف الحق ويقرّبه إلى العقول، ولا يمتنع سبحانه من بيان الحق بأي مثال تقتضيه حكمته. فتلقَّ كلامه بالتسليم والتدبر، وابحث عن هدايته بدل الاعتراض على أسلوبه؛ فالمؤمن يعلم أن المثل حق من ربه، أما من أعرض فيسأل سؤال استهزاء أو إنكار: ما الغرض من هذا؟ وراجع موقفك من الآيات التي لا تدرك حكمتها سريعًا: أتطلب فهمها بإخلاص، أم تتخذ خفاء معناها ذريعةً للرفض؟ فالقرآن نفسه يهدي به الله كثيرًا ممن أقبلوا عليه بقلوب صادقة، ويضل به من خرجوا عن طاعته وأصروا على الفسق؛ فلا تجعل ذنبك واعتراضك سببًا لحرمانك الهدى، واسأل الله قلبًا خاشعًا وعقلًا يتدبر وحسنَ قبولٍ للحق.

2|27|ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مِيثَـٰقِهِۦ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ

احفظ عهد الله بالإيمان به وتوحيده وطاعته والوفاء بما ألزَمك به، ولا تنقضه بعد أن قامت عليك حجته وعرفت أمره؛ فمعرفة الحق ثم مخالفته عمدًا أشد خطرًا من الجهل به. وصِلْ ما أمر الله بوصله: صلتك به بالعبادة، واتباعك لرسوله ﷺ، وأرحامك بالإحسان، وروابط المودة والحقوق بين الناس بالعدل والوفاء والإصلاح؛ ولا تجعل الخصومة أو المصلحة أو الكِبر سببًا لقطعها. وامنع الفساد عن الأرض بدءًا من نفسك: فلا تظلم، ولا تخن عهدًا، ولا تضيّع حقًا، ولا تنشر باطلًا أو عداوةً أو أذًى. وراجع آثار قراراتك: هل تحفظ ما أمر الله بحفظه وتصلح ما فسد، أم تنقض وتقطع وتفسد؟ فالخسارة الحقيقية ليست فوات منفعة عاجلة، بل ضياع الدين والعمل الصالح وعاقبة الآخرة.

2|28|كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَٰتًۭا فَأَحْيَـٰكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

تذكّر أصل وجودك ومصيرك: كنت معدومًا لا حياة لك، فأوجدك الله وأحياك بقدرته؛ فكيف تكفر به أو تصرف عبادتك لغيره، وكل لحظة من حياتك نعمة منه؟ فلا تتعامل مع عمرك كأنه ملك دائم لك، بل اغتنمه في الإيمان والطاعة والإصلاح قبل أن يأتي الموت الذي لا تستطيع دفعه. واستعد لبعثٍ حقيقي يحييك الله فيه بعد موتك، ثم يردّك إليه للحساب والجزاء؛ فراجع أعمالك وحقوق الناس عليك، وتب من الذنوب قبل انقطاع المهلة. ولا تجعل اعتياد الحياة ينسيك أنها مرحلة بين عدمٍ سابق وموتٍ آتٍ وبعثٍ محقق. واسأل الله أن يحيي قلبك بالإيمان، ويحسن خاتمتك، ويثبتك عند لقائه؛ فمَن أيقن أن بدايته ونهايته ورجوعه كلها إلى الله، عاش عبدًا شاكرًا واستعدّ للآخرة.

2|29|هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍۢ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ

انظر إلى ما في الأرض على أنه نعمةٌ سخّرها الله لمنافعك المشروعة وأمانةٌ ستُسأل عن استعمالها؛ فانتفع بالطعام والمال والعلم والموارد فيما أحلّ، ولا تُفسدها بالإسراف أو الظلم أو الاحتكار أو الإضرار بالناس والبيئة، ولا تظن أن تسخيرها لك يبيح استعمالها بلا حدود شرعية. وتأمل عظمة الخالق الذي خلق ما في الأرض جميعًا، ثم سوّى سبع سماوات في إحكام واتساق؛ ليزداد قلبك توحيدًا وخشوعًا، لا غرورًا بما اكتشفه الإنسان أو صنعه. واستحضر أن الله بكل شيء عليم: يعلم حاجتك ونيتك وطرق كسبك وإنفاقك، وما تُصلحه وما تُفسده، فلا تخفِ وراء المصلحة ما لا يرضيه. واشكره على نعمه بالطاعة وحسن الانتفاع، واسأله علمًا نافعًا ورشدًا يحفظك من تحويل النعمة إلى معصية.

2|30|وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌۭ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةًۭ ۖ قَالُوٓا۟ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ

انظر إلى وجود الإنسان في الأرض بوصفه تكليفًا ومسؤوليةً لا امتيازًا يبيح له التسلط؛ فقد خلقه الله من طِين وصوَّره فاحسن صورته، وجعله فيها خليفةً تتعاقب أجياله ليعمرها بطاعته والعدل والإصلاح، فلا تكن ممن يفسدون فيها بالظلم والخيانة وإهلاك الموارد، ولا ممن يسفكون الدماء أو يعينون على العدوان. واجمع بين عبادة الله وإصلاح الحياة؛ فسبّحه بحمده، ونزّهه عن كل نقص، واجعل أثر عبادتك ظاهرًا في حفظ الأنفس والحقوق والأمانات. وإذا خفيت عليك حكمة من أقدار الله أو شرعه، فاسأل طلبًا للفهم بأدب، كما سألت الملائكة، ولا تجعل قصور علمك اعتراضًا على حكمة ربك؛ فالله يعلم من مصالح خلقه وعواقب الأمور ما لا تعلم. فتواضع لعلمه، وأدِّ مسؤوليتك في الأرض بالإصلاح، واستعذ به أن تكون سببًا في فسادها.

2|31|وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِى بِأَسْمَآءِ هَـٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ

استحضر أن أصل العلم وتعليم الإنسان وقدرته على تسمية الأشياء وتمييزها من فضل الله؛ فقد علّم آدم عليه السلام الأسماء كلها التي شاء أن يعلّمه إياها، ثم أظهر للملائكة ما اختصه به من علم. فاطلب المعرفة بتواضع، واضبط أسماء الأشياء وحقائقها قبل أن تتحدث عنها أو تحكم فيها، ولا تنسب علمك إلى ذكائك وجهدك استقلالًا، بل اشكر الله بتسخير ما علّمك في الطاعة والنفع والإصلاح. ولا تدّعِ القدرة على الإجابة بلا علم، ولا تتمسك بتصور سابق إذا كشف الدليل نقصه؛ فالله قد يُظهر صدق الأمر بإقامة البرهان والاختبار العملي، كما عرض المسمّيات وطلب بيان أسمائها. وإذا ظهر لك فضل إنسان بعلم وهبه الله إياه، فاعترف به دون حسد، وإذا جهلت فقل: لا أعلم؛ فالعلم عطية وأمانة، والصدق يقتضي ألا تتجاوز ما علّمك الله.

2|32|قَالُوا۟ سُبْحَـٰنَكَ لَا عِلْمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ

نزِّه الله عن النقص والعبث، واعترف بحدود علمك كما قالت الملائكة: لا علم لنا إلا ما علّمتنا. فلا تتكلم في دين الله أو شؤون الناس بغير بينة، ولا تستحِ من قول: لا أعلم، ولا تجعل الشهادة أو المنصب أو كثرة الخبرة ذريعةً للادعاء؛ فما عندك من فهمٍ وحفظٍ وقدرةٍ على الاستنباط تعليمٌ من الله وفضل. وإذا أخطأت فارجع إلى الحق بلا مكابرة، واطلب العلم من مصادره الموثوقة، واسأل الله فهمًا صحيحًا وحكمةً في استعمال ما تعلمت. واستحضر أنه سبحانه العليم الذي لا يخفى عليه شيء، والحكيم الذي يضع كل أمر في موضعه؛ فإذا خفيت عليك حكمة حكمٍ أو قدر، فتواضع ولا تعترض بجهلك، وثق بأن علم الله كامل وحكمته بالغة.

2|33|قَالَ يَـٰٓـَٔادَمُ أَنۢبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ ۖ فَلَمَّآ أَنۢبَأَهُم بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّىٓ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ

أظهر ما علّمك الله عند الحاجة بالفعل والبيان، كما أمر الله آدم عليه السلام أن ينبئ الملائكة بأسماء المخلوقات؛ فالعلم لا تثبت قيمته بالدعوى، بل بصحة المعرفة وحسن استعمالها. وإذا أقام الله الدليل على حكمةٍ خفيت عليك، فارجع إلى الحق واعترف بقصور علمك، ولا يمنعك تصور سابق من قبول ما ظهر برهانه، ولا تحسد غيرك على فضلٍ خصّه الله به. واستحضر أن الله يعلم غيب السماوات والأرض الذي لا تدركه المخلوقات، ويعلم ما تظهره من قول وعمل، وما تخفيه في قلبك من نية أو اعتراض أو كِبر؛ فطهّر سريرتك كما تصلح علانيتك، ولا تظن أن ما تخفيه في قلبك من نيات أو اعتراضات أو كِبر يخفى على الله؛ فهو يعلم السرائر كما يعلم الأقوال والأعمال الظاهرة. واسأله علمًا نافعًا وقلبًا صادقًا؛ فحكمته كاملة، وعلمه محيط بالظاهر والباطن.

2|34|وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ

بادر إلى طاعة الله حين يأتيك أمره، ولا تجعل الكِبر أو الحسد أو الاعتراض على حكمته يمنعك من الامتثال؛ فالملائكة سجدوا لآدم عليه السلام طاعةً لله، أما إبليس فأبى واستكبر، فكان امتناعه تمردًا على أمر الله لا مجرد تركٍ لفعل. فلا تحتقر من فضّله الله، ولا ترفض الحق لأن مكانتك أو رأيك أو هواك تأبى الخضوع له، ولا تجعل علمًا أو عبادةً سابقةً سببًا للإعجاب بالنفس؛ فقد يهدم الكِبر ما جمعه العبد من عمل. وراجع قلبك عند التكليف: هل تسأل لتفهم ثم تطيع، أم تبحث عن مبرر للرفض؟ وإذا وجدت في نفسك حسدًا أو تعاليًا، فاستعذ بالله، وتب سريعًا، واعترف بفضله على من شاء؛ فالنجاة في التواضع والانقياد، والهلاك في الإباء والاستكبار.

2|35|وَقُلْنَا يَـٰٓـَٔادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ

استقبل نعم الله بالشكر والطاعة؛ فقد أباح الله لآدم وزوجه سكن الجنة والتمتع الواسع بما فيها، ولم يمنعهما إلا من شجرة واحدة، فالأصل أن تتنعم بما أحلّ الله من غير أن تنشغل بالمحرّم القليل عن الحلال الكثير. واحفظ حدود الله قبل تجاوزها؛ فإذا نهاك عن معصية فلا تقترب من أسبابها ومقدماتها، ولا تختبر قدرتك على مقاومتها وأنت بجوارها، لأن السلامة في الابتعاد عما يفتح باب الذنب. وتعاون مع زوجك وأهل بيتك على الطاعة، وحذّرهم برفق من مواطن الفتنة، ولا يكن أحدكما سببًا في زلل الآخر. واعلم أن مخالفة أمر الله ظلمٌ للنفس؛ إذ تحرمها بركة الطاعة وتعرضها للعقوبة. فتمتع بالنعم في حدود الشرع، ولا تجعل وفرتها تُنسيك أمر المنعم ونهيه.

2|36|فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا ٱهْبِطُوا۟ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّۭ ۖ وَلَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّۭ وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِينٍۢ

احذر عداوة الشيطان ولا تأمن وسوسته؛ فهو لا يبدأ غالبًا بالأمر الصريح بالهلاك، بل يزيّن المخالفة حتى يزلّ الإنسان عن الطاعة ويفقد بسببها نعمةً كان فيها. فابتعد عن مقدمات المعصية، واستعذ بالله عند الوسواس، وذكّر نفسك بعاقبة الذنب قبل لذته العاجلة، ولا تجعل إغواء الشيطان عذرًا تستمر به في الخطأ؛ فالواجب أن تبادر إلى التوبة. واعلم أن الحياة في الأرض دار ابتلاء، وفيها عداوة بين الشيطان وذريته وبين بني آدم، وقد تقع بين الناس خصومات وعداوات؛ فلا تتبع الشيطان في الظلم والتحريش وسفك الحقوق. وانتفع بما أباح الله لك من متاع الدنيا، لكن لا تتعلق به كأنه باقٍ؛ فلك فيها مستقر ومتاع إلى أجل معلوم، ثم ترجع إلى الله، فاجعلها طريقًا للطاعة لا وطنًا تنسى معه الآخرة.

2|37|فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَـٰتٍۢ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ

إذا زللت فلا تيأس ولا تُصِرّ على الذنب؛ بل تلقَّ من وحي الله ما يعلّمك الرجوع إليه، واعترف بخطئك، واندم عليه، واتركه، واعزم على ألا تعود، وأدِّ حقوق العباد إن تعلقت المعصية بهم. ولا تجعل التوبة كلماتٍ باللسان مع بقاء القلب على الإصرار، ولا تُلقِ مسؤولية خطئك على الشيطان أو الظروف؛ فقد فتح الله لآدم عليه السلام باب الرجوع، وعلّمه ما يتوب به، ثم قبل توبته. واستحضر أن توفيقك للاعتراف والندم والإصلاح من رحمة ربك، فاسأله ذلك قبل التوبة وأثناءها وبعدها. ولا يؤخرك تكرار الزلل عن تجديد الرجوع الصادق؛ فالله هو التواب الذي يوفق عباده للتوبة ويقبلها منهم، الرحيم الذي لا يغلق باب رحمته أمام من عاد إليه مخلصًا.

2|38|قُلْنَا ٱهْبِطُوا۟ مِنْهَا جَمِيعًۭا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًۭى فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

اعلم أن وجودك في الأرض ابتلاءٌ يشترك فيه بنو آدم جميعًا، لكن الله لم يتركهم بلا هداية؛ بل أرسل رسله وأنزل وحيه ليبيّن لهم طريق النجاة. فاستقبل هدى الله بالتصديق والتعلّم والاتباع، ولا تكتفِ بمعرفته أو تلاوته من غير امتثال؛ إذ علّق الله الأمن على اتباع الهدى، لا على مجرد الانتساب إليه. واجعل القرآن وسنة رسوله محمد ﷺ مرجعك في الاعتقاد والعبادة والقرارات والأخلاق، ولا تقدّم عليهما هوى النفس أو عادات الناس. وإذا أشكل عليك أمر، فارجع إلى تفسير موثوق أو اسأل عالمًا معروفًا بالعلم والأمانة. واسأل الله الثبات على هداه؛ فمن اتبعه حقًا آمنه الله من الخوف مما يستقبله في الآخرة، ومن الحزن على ما فاته، وأوصله برحمته إلى الطمأنينة والنجاة.

2|39|وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ

لا تقابل هدى الله بالكفر أو تكذيب آياته بعد أن بلغك الحق وقامت عليك حجته؛ بل آمن بالقرآن كله، وصدّق أخباره، واقبل أحكامه، واخضع لأوامره ونواهيه، ولا تنتقِ منه ما يوافق هواك ثم تردّ ما يخالفه، ولا تجعل رضا النفس شرطًا لقبول الوحي. وإذا خفي عليك معنى آية، فلا تتعجل إنكارها ولا تجعل الجهل حجةً للتكذيب؛ بل تأنَّ في تدبرها، والتمس بيانها عند أهل العلم الراسخين حتى يتضح لك وجهها. واحذر أن يتحول الشك العارض أو الإعراض المتكرر أو الإصرار على المعصية، بدافع الكِبر أو المصلحة، إلى رفض متعمد للحق. فمن مات على الكفر وتكذيب آيات الله فهو من أصحاب النار خالدًا فيها؛ وهذا حكم عام، فلا تجزم بما في قلب شخص بعينه أو بخاتمته. واسأل الله أن يحفظ قلبك من الإنكار، ويثبتك على التصديق والتسليم والاتباع حتى تلقاه مؤمنًا بآياته.

2|40|يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا۟ بِعَهْدِىٓ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ

تذكّر نعم الله عليك تذكّرًا يوقظ الشكر والطاعة، ولا تجعل اعتيادها يُنسيك المنعم أو يحوّلها إلى أسباب للغفلة والكِبر؛ فالخطاب لبني إسرائيل يذكّرهم بما خصّهم الله به، وهدايته باقية لكل من أنعم الله عليه وبلغه أمره: أن النعمة تستوجب الشكر والوفاء لا الجحود. فأوفِ بعهد الله بالإيمان الصادق، وتوحيده، واتباع وحيه، والقيام بما أمرك به، واجتناب ما نهاك عنه، ولا تنقض التزامك طلبًا لمصلحة أو رضا الناس. وثق بأن الله يفي بوعده لمن وفى بعهده، ويُنجز له ما وعد به من الرحمة والهداية والثواب والنجاة؛ فهو سبحانه لا يخلف الميعاد. واجعل رهبتك لله وحده هي التي تضبط اختياراتك، فلا يحملنّك خوف الناس أو فقدان المكانة والرزق على مخالفته. وراجع نفسك: هل تشكر النعمة بالطاعة وتحفظ العهد عند الاختبار؟ فصدق الشكر يظهر في الوفاء، ومن خشي الله لم يبع عهده خوفًا من أحد.

2|41|وَءَامِنُوا۟ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًۭا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوٓا۟ أَوَّلَ كَافِرٍۭ بِهِۦ ۖ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِى ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا وَإِيَّـٰىَ فَٱتَّقُونِ

آمن بكل ما أنزل الله في القرآن؛ فهو يصدّق ما بقي من الحق في الكتب السماوية السابقة ويهيمن عليها، ويكشف ما كُتم و حُرِّف وبُدِّل في التوراة والإنجيل، وشريعة محمد ﷺ هي الشريعة الخاتمة الواجبة الاتباع، الناسخة لما قبلها. والخطاب وإن وُجّه إلى بني إسرائيل، فهدايته باقية لكل من عرف صدق الوحي ثم حملته العصبية أو المصلحة أو الخوف على رفضه. فلا تكن أول من يكفر بالحق حولك، ولا قدوةً لغيرك في الصدّ عنه؛ فصاحب العلم مسؤول حين يعرف ثم يعرض. ولا تستبدل بآيات الله مالًا أو منصبًا أو شهرةً أو رضا الناس أو حماية نفوذ؛ فكل مكسب دنيوي يُشترى به كتمان الحق أو تحريفه أو تعطيل حكمه ثمن قليل زائل. وراجع أمانتك: هل تنصر الحق وافقك أو خالف مصلحتك؟ واجعل تقوى الله وحده حاكمةً على اختياراتك؛ فتخشى سخطه، وتمتثل أمره، وتؤثر رضاه على كل منفعة، وتسأله الإخلاص والثبات على الإيمان، فلا تبيع دينك بدنيا فانية.

2|42|وَلَا تَلْبِسُوا۟ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ وَتَكْتُمُوا۟ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ

لا تخلط الحق بالباطل لتجعل الزيف مقبولًا، ولا تعرض جزءًا صحيحًا ثم تدسّ فيه ما يغيّر معناه أو يخدم مصلحتك؛ فالتلبيس قد يكون بتحريف الكلام، أو اقتطاعه من سياقه، أو استعمال ألفاظ موهمة، أو مساواة الوحي بآراء البشر. ولا تكتم ما تعلم من الحق خوفًا على مال أو منصب أو سمعة، ولا تسكت عن شهادة أو علم يحتاج إليه الناس وأنت قادر على بيانه بالحكمة. والخطاب وإن ورد في بني إسرائيل، فإن تحذيره يشمل كل من ائتمنه الله على علم أو شهادة أو مسؤولية ثم أخفى الحقيقة أو شوّهها. فميّز في تعليمك وعملك وإعلامك بين الثابت والظن، وقل الحق واضحًا دون زيادة أو انتقاص. وراجع نيتك: هل تبيّن الحقيقة كما هي، أم تعيد تشكيلها لتوافق هواك؟ فالعلم يزيد مسؤوليتك، وتقوى الله تلزمك بالصدق والبيان.

2|43|وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرْكَعُوا۟ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ

أقِم الصلاة كما أمر الله: حافظ على أوقاتها وشروطها وأركانها، وأدِّها بخشوعٍ واستحضارٍ لعظمته، ولا تجعلها حركاتٍ معتادة لا تنهى قلبك وسلوكك عن المعصية. وأخرج الزكاة لمستحقيها متى وجبت، طيبةً بها نفسك، ولا تحبس حقَّ الله وحقَّ الفقراء في مالٍ استخلفك فيه؛ فهي تطهّر النفس من الشح، والمال من التعلق المحرّم. وانضم إلى أهل الطاعة، واركع مع الراكعين، وصلِّ مع جماعة المسلمين متى قدرت، ولا تترك الاجتماع معهم على الصلاة تكبّرًا أو تهاونًا؛ فالصلاة جماعةً تُظهر وحدة المؤمنين، وتعين على الثبات والطاعة. والخطاب وإن وُجّه أولًا إلى بني إسرائيل، فهدايته باقية لكل مؤمن: صدق الإيمان يظهر في عبادةٍ لله، وبذلٍ للخلق، وارتباطٍ بجماعة الحق. فراجع نفسك: هل تجمع بين الصلاة والزكاة، وبين إصلاح صلتك بربك وأداء حقوق عباده؟

2|44|۞ أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَـٰبَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

لا تجعل دعوتك إلى البر كلامًا ينفصل عن حياتك؛ فإذا أمرت الناس بطاعة أو أمانة أو إحسان، فابدأ بمحاسبة نفسك والعمل بما تدعو إليه من خير، ولا تتساهل في عيبٍ تشتد في إنكاره على غيرك. وليس تقصيرك عذرًا لترك النصيحة، بل الواجب أن تجمع بين إصلاح نفسك ودلالة الناس على الخير، وأن تبادر إلى التوبة كلما خالف فعلك قولك. واستحضر أن تلاوة كتاب الله تزيد مسؤوليتك؛ فلا يكفي أن تعرف أو تعلّم أو تعظ، ثم تترك أوامره بعيدةً عن سلوكك وقراراتك ومعاملاتك وحقوق أهلك والناس. والخطاب وإن ورد في سياق بني إسرائيل، فتحذيره باقٍ لكل من يحمل علمًا ولا يعمل به. وراجع نفسك: هل أطلب من الآخرين ما لا ألزم به نفسي؟ فالعقل الصادق يربط العلم بالعمل، والقول بالقدوة، ويستعين بالله على الاستقامة.

2|45|وَٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ

استمدّ العون من الله بالصبر والصلاة كلما واجهتك طاعة شاقة أو معصية تغريك أو بلاء يضغط عليك؛ فاصبر على امتثال أمره، وعن مخالفة نهيه، وعلى أقداره من غير سخط، ثم افزع إلى الصلاة بقلب حاضر، تعرض فيها ضعفك وحاجتك على ربك وتطلب منه القوة والثبات. ولا تجعل الصلاة آخر ما تلجأ إليه بعد استنفاد الأسباب؛ بل اجمع بينها وبين السعي المشروع منذ بداية الأمر. واعلم أن المحافظة عليها والخشوع فيها قد يثقلان على النفس المشغولة بالدنيا، أما القلب الخاضع لعظمة الله، المستيقن بلقائه، فيجد فيها سكينةً وعونًا. والخطاب باقٍ لكل مؤمن: لا تواجه تكاليف الحياة بقوتك وحدها، بل درّب نفسك على الصبر، وأحسن الوقوف بين يدي الله، فبهما يثبت القلب على الحق.

2|46|ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ

استحضر يقينًا أنك ستلقى ربك بعد الموت، وأنك راجع إليه وحدك للحساب والجزاء؛ فـ«الظن» هنا يقينٌ راسخ لا شكٌّ متردد. واجعل هذا اليقين حاضرًا عند الصلاة والاختيار والمعاملة: أخلص عبادتك، وأصلح ما بينك وبين الناس، وردّ الحقوق، واترك ذنبًا لا ترضى أن تلقى الله مصرًّا عليه. ولا تغتر بطول الأمل أو تنشغل بالدنيا كأنها نهاية الطريق؛ فما تجمعه سيبقى وراءك، وما قدّمته من إيمان وعمل هو الذي تلقى به ربك. وإذا ثقلت عليك طاعة أو نازعك الهوى، فتذكّر وقوفك بين يديه، فيخشع قلبك ويسهل عليك الامتثال. وحاسب نفسك قبل أن تُحاسب، واسأل الله حسن الاستعداد للقائه، والثبات حتى ترجع إليه مؤمنًا راضيًا بعبوديته، راجيًا رحمته.

2|47|يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ

اذكر نعم الله عليك ذكرًا يثمر شكرًا وطاعة، ولا تجعل كثرتها سببًا للغفلة أو الاستعلاء؛ فقد ذكّر الله بني إسرائيل بما أنعم به عليهم من إرسال الأنبياء وإنزال الكتب، وبما خصّهم به من تفضيل على عالمي زمانهم، فكان ذلك تكليفًا ومسؤوليةً، لا امتيازًا دائمًا يبرر الكِبر أو العصبية. وهداية الآية ممتدة إلى كل من خصّه الله بإيمان أو علم أو مال أو مكانة: لا تتفاخر بالعطية، ولا تحتقر من لم يُؤتَها، بل أدِّ حقها بنصرة الحق ونفع الناس والوفاء بأمر الله؛ فالدنيا دار اختبار لا دار قرار. واعلم أن التفاضل الحقيقي عند الله بالتقوى والطاعة، لا بالنسب ولا بالمال ولا بالسلطان. وراجع نفسك: هل تحوّل ما وهبك الله إلى عمل نافع، أم تتخذه ذريعةً للغرور؟ فالنعمة إذا شُكرت زادت صاحبها قربًا، وإذا جُحدت صارت حجةً عليه وأبعدته عن رضوان الله.

2|48| وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًۭا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍۢ شَيْـًۭٔا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـٰعَةٌۭ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌۭ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ

استعدّ ليوم القيامة بتقوى الله، ولا تؤخر التوبة أو أداء الحقوق اعتمادًا على نسبٍ صالح أو قريبٍ محب أو صاحب مكانة؛ ففي ذلك اليوم لا تستطيع نفس أن تدفع عن أخرى شيئًا من الحساب أو العذاب. ولا تتكل على شفاعة مع الإصرار على الكفر أو المعصية؛ فالشفاعة كلها لله، ولا تقع إلا بإذنه ورضاه، ولا تنفع من لم يرضَ عنه. ولن يفتدي الإنسان نفسه بمال أو عوض مهما ملك في الدنيا، ولن يجد قوةً أو جماعةً تنصره من حكم الله. والخطاب وإن وُجّه إلى بني إسرائيل، فتحذيره قائم لكل إنسان يغترّ بانتمائه أو بمنزلته ويهمل عمله. فراجع إيمانك وصلاتك وأماناتك وحقوق العباد، وأصلحها قبل أن تنقطع أسباب الدنيا، واسأل الله رحمته والنجاة يوم يرجع كل امرئ إليه منفردًا.

2|49|وَإِذْ نَجَّيْنَـٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ۚ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌۭ

استحضر أن النجاة من الظلم نعمة من الله تستوجب الشكر والثبات على طاعته؛ فقد أنقذ بني إسرائيل من آل فرعون الذين أذاقوهم أقسى العذاب، فكانوا يقتلون أبناءهم ويُبقون نساءهم أحياء للاستضعاف والإذلال والخدمة. فلا تستخف بجرائم الاستبداد، ولا تُعِن ظالمًا بقول أو عمل أو سكوت يضيّع الحقوق، واحمِ المستضعفين بقدر استطاعتك بالوسائل المشروعة، ولا تتحول بعد النجاة إلى صورة ممن ظلموك. والخطاب وإن تناول محنة بني إسرائيل، فهدايته تشمل كل من ابتُلي بالاضطهاد أو أنقذه الله منه: اصبر من غير استسلام للباطل، وخذ بأسباب دفعه، وانسب الفرج إلى ربك. واعلم أن شدة العذاب امتحان عظيم، وأن النجاة نفسها اختبار للشكر وحسن استعمال الحرية؛ فاسأل الله السلامة، وأدِّ حق نعمته بالعدل والرحمة ونصرة المظلوم.

2|50|وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَـٰكُمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ

إذا أحاطت بك الشدائد وانقطعت في نظرك سبل النجاة، فلا تيأس من قدرة الله؛ فقد شقّ البحر لبني إسرائيل، فأنجاهم وأغرق آل فرعون وهم يشاهدون تمام نصره وهلاك من ظلمهم. فاثبت على طاعته، واتبع هدايته، وخذ بما ييسّره من أسباب، ولا تجعل ضعفك أو قوة عدوك مقياسًا لما يقدر الله عليه. وإذا أنقذك من خطر أو كشف عنك ظلمًا، فانسب الفرج إليه، واشكره باستقامةٍ تمنعك من العودة إلى الجحود والمعصية. ولا تحوّل رؤية سقوط الظالم إلى شماتةٍ أو ظلمٍ جديد، بل خذ منها يقينًا بأن الطغيان لا يحمي صاحبه من عدل الله. وهداية الآية باقية لكل زمان: النجاة بيد الله، ونصره حق، ومشاهدة آياته تستوجب إيمانًا أرسخ، وطاعةً أوفى، وشكر أعَمّ، وإيمان خالص.

2|51|وَإِذْ وَٰعَدْنَا مُوسَىٰٓ أَرْبَعِينَ لَيْلَةًۭ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَنتُمْ ظَـٰلِمُونَ

لا تجعل غياب المعلّم أو تأخر ما تنتظره سببًا لترك التوحيد والانقلاب على الحق؛ فقد واعد الله موسى عليه السلام أربعين ليلة، ثم اتخذ قومه العجل معبودًا من دونه بعد ذهابه، مع قرب عهدهم بآيات النجاة. فاثبت على عبادة الله في حضور من يذكّرك وفي غيابه، ولا تربط إيمانك بشخص مهما علت منزلته؛ فالعبادة لله وحده، والوحي هو المرجع. واحذر أن يدفعك الاستعجال أو ضغط الجماعة أو الانبهار بالمحسوس إلى اتباع باطل يصنعه الناس ثم يقدسونه. وهداية الآية باقية لكل من يصرف شيئًا من العبادة لغير الله، أو يعلّق قلبه بمال أو قائد أو رمز، معتقدًا أنه يملك له نفعًا أو يدفع عنه ضرًّا استقلالًا عن الله؛ فالأسباب تُتخذ، لكن نتائجها خاضعة لإرادة الله، والنفع والضر بيد الله وحده. وراجع قلبك: ماذا تتخذ ملجأً عند الفراغ والانتظار؟ فالشرك ظلم عظيم، والثبات أن تحفظ عهد الله ولو تغيّرت الظروف.

2|52|ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

إذا عفا الله عنك بعد ذنب عظيم، فلا تعد إلى المعصية ولا تتعامل مع العفو كأنه استحقاق؛ بل اعترف بفضله، وجدّد توبتك، واجعل نجاتك من العقوبة بدايةً لطاعة أصدق. فقد عفا الله عن بني إسرائيل بعد اتخاذهم العجل، لعلهم يقابلون رحمته بالشكر لا بالجحود. وهداية الآية باقية لكل من ستره الله، أو أمهله، أو فتح له باب الرجوع: لا تغتر بتأخر العقوبة، ولا تنسَ قبح ما صنعت، ولا تيأس مهما عظم ذنبك ما دمت ترجع إلى الله صادقًا. واشكر العفو بقلب يعترف بالمنة، ولسان يثني على الله، وعمل يترك الذنب ويصلح ما أفسده. وراجع نفسك: هل غيّرتك رحمة الله، أم عدت بعدها إلى ما عفا عنك منه؟ فالشكر الحقيقي يحفظ أثر العفو بالطاعة والثبات.

2|53|وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ

تلقَّ كتاب الله بوصفه هدايةً تفصل لك بين الحق والباطل، لا معلوماتٍ تُتلى ثم تُعزل عن قراراتك؛ فقد آتى الله موسى عليه السلام التوراة وما يفرّق به بين الهدى والضلال ليهتدي قومه. ولأمة محمد ﷺ القرآنُ المهيمن والشريعة الخاتمة الناسخة لما قبلها، فاجعلهما مرجعك في الاعتقاد والعبادة والأخلاق والمعاملات، ولا تجعل الهوى أو العرف أو المصلحة مقياسًا للحلال والحرام. وتعلّم أحكام الوحي بصدق، ثم اعرض عليها أقوالك واختياراتك؛ فما وافقها فاثبت عليه، وما خالفها فاتركه ولو اعتاده الناس. ولا تكتفِ بامتلاك الكتاب أو قراءته دون فهم واتباع؛ فغاية إنزاله أن تهتدي به. وإذا التبس عليك طريقان، فاطلب من الله بصيرةً، وتثبّت من حكمهما حتى تختار ما يرضيه.

2|54|وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَـٰقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ فَتُوبُوٓا۟ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌۭ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ

اعترف بأن الشرك والمعصية ظلمٌ للنفس، ولا تُجمّل الذنب أو تُلقِ تبعته على ضغط الجماعة؛ فقد واجه موسى عليه السلام قومه بحقيقة جرمهم في عبادة العجل، ودعاهم إلى التوبة لبارئهم الذي خلقهم. وقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ تكليفًا إلهيًا خاصًّا ومنضبطًا في شريعتهم لتلك الواقعة، يُنفَّذ بأمر نبيهم، لا قتلًا عشوائيًا ولا مذبحةً بلا حدود، ولا إذنًا للأفراد أن يقتل بعضهم بعضًا باجتهادهم. فلا يجوز نقله إلى شريعة محمد ﷺ؛ فهي تحرّم الانتحار، ولا تبيح قتل النفس إلا بحق شرعي. والتوبة تكون بالإقلاع والندم والعزم على عدم العودة، وردّ الحقوق، وإصلاح الضرر وما أفسدته المعصية. فلا تطلب توبةً مريحة تُبقي آثار الذنب كما هي، بل اقبل ما يلزم شرعًا من تصحيح وتحمّل للعواقب؛ فما قضاه الله لعبده خيرٌ له وإن شقّ عليه. ولا يدفعنّك عِظَم الجرم إلى اليأس؛ والجأ صادقاً إلى رحمة من عصيت، فالله يقبل توبة الصادقين، وهو التواب الرحيم.

2|55|وَإِذْ قُلْتُمْ يَـٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةًۭ فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ

لا تجعل إيمانك بالوحي مشروطًا بأن ترى بعينك كل ما أخبر الله به؛ فقد طالب قوم موسى عليه السلام برؤية الله جهرةً تعنتًا، بعد قيام الآيات الدالة على صدقه، فأخذتهم الصاعقة وهم يشاهدون مقدمات العذاب ووقوعه. فآمن بالغيب الذي ثبت بخبر الله ورسوله، ولا تجعل الحواس حَكمًا على ما يتجاوز إدراكها، ولا تطلب آيةً على سبيل المكابرة بعد وضوح البرهان. وإذا عرض لك سؤال، فاطلب جوابه بتواضع ورغبة في الاهتداء، لا باشتراطٍ يسبق الحقيقة أو يرفضها. والتحذير باقٍ لكل من يحوّل طلب الدليل إلى ذريعة لتأجيل الطاعة أو إنكار الوحي: فالعقل السليم ينتفع بالبينات، ولا يتحدى الله أو يعلّق الإيمان على أهوائه. واسأله يقينًا صادقًا وقلبًا يخضع للحق قبل أن يفاجئه الجزاء.

2|56|ثُمَّ بَعَثْنَـٰكُم مِّنۢ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

إذا ردّ الله إليك فرصةً ظننت أنها انقضت، فلا تعد إلى الغفلة التي سبقتها؛ فقد أحيا الله بني إسرائيل بعد موتهم بالصاعقة، فأراهم قدرته على البعث، ومنحهم حياةً جديدة ليشكروه بالإيمان والطاعة. فاستيقن أن الذي أحياهم قادر على إحياء الخلق جميعًا للحساب، ولا تجعل البعث حقيقةً تؤمن بها بلسانك دون أن تغيّر استعدادك للآخرة. وكل يوم يبقيك الله فيه حيًّا بعد مرض أو خطر أو زلل هو مهلة للعمل، لا ضمانٌ بطول العمر؛ فبادر إلى إصلاح ما قصّرت فيه، وأدِّ الحقوق، واترك المعصية قبل انقضاء الأجل. وهداية الآية لكل إنسان: اشكر نعمة الحياة باعتراف القلب، وحمد اللسان، واستعمال العمر فيما يرضي الله؛ فالفرصة المتجددة أمانة، والشكر الصادق وحسن اغتنامها يجعلانها زادًا للآخرة وسببًا للقرب من الله.

2|57|وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ ۖ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

استحضر عناية الله حين يهيئ لك ما يحميك ويرزقك من حيث لا تحتسب؛ فقد ظلّل بني إسرائيل بالغمام، وأنزل عليهم المنّ والسلوى، وأباح لهم أن يأكلوا من طيبات رزقه. فخذ من الحلال الطيب بقدر حاجتك، واشكر المنعم بقلبك ولسانك وعملك، ولا تقابل الرزق بالتذمر أو الإسراف أو استعمال النعمة في المعصية. وهداية الآية باقية لكل من أحاطه الله بحفظه وأمدّه بطعام أو صحة أو أمن: لا تنسب الفضل إلى الأسباب وحدها، ولا تحتقر نعمةً اعتدتها. واعلم أن مخالفة أمر الله لا تنقص من ملكه ولا تضرّه؛ وإنما يعود ضرر الجحود والعصيان على صاحبه بحرمان البركة واستحقاق العقوبة. فاحفظ النعمة بالطاعة، وانتفع بها في الخير، ولا تجعلها بجحودك حُجّةً عليك وسببًا لزوالها أو سلب بركتها.

2|58|وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُوا۟ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ فَكُلُوا۟ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًۭا وَٱدْخُلُوا۟ ٱلْبَابَ سُجَّدًۭا وَقُولُوا۟ حِطَّةٌۭ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَـٰيَـٰكُمْ ۚ وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ

إذا فتح الله لك باب رزقٍ وأمنٍ وسعة، فادخل في نعمته مطيعًا لا متكبرًا، وانتفع بالحلال من غير إسراف أو بطر؛ فقد أذن لبني إسرائيل أن يدخلوا القرية ويأكلوا منها رغدًا، وربط تمام الانتفاع بالخضوع لأمره. فاقبل تكاليف الله بهيئة المتواضع المنكسر، لا بصورة المعترض أو المستهزئ، واطلب منه أن يحطّ عنك خطاياك مع صدق التوبة والعمل؛ فالألفاظ لا تنفع إذا خالفها القلب والسلوك. ولا تبدّل الأمر لتوافق هواك، ولا تجعل وفرة الرزق تنسيك واجب الشكر. واستبشر بأن الله يغفر لمن رجع إليه كما أمر، ويزيد المحسنين فوق المغفرة فضلًا وثوابًا؛ فاجمع بين الاستغفار وإحسان العبادة والعمل ومعاملة الناس، لتكون النعمة بحُسن شكرها سببًا لمزيدٍ من النعم والقرب من الله، لا مدخلًا إلى الغفلة بالاغترار بها، ولا سببًا للحرمان بجحودها.

2|59|فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ قَوْلًا غَيْرَ ٱلَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ رِجْزًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ

لا تبدّل أمر الله قولًا أو معنىً أو عملًا لتجعله موافقًا لهواك، ولا تتحايل عليه بما يُبقي صورته ويُفرغه من مضمونه ويُبعِده عن مقصده. فقد غيّر الظالمون من بني إسرائيل الكلمة التي أُمروا بها، وقابلوا مقام التوبة والخضوع بالتحريف والاستهزاء، فاستحقوا عذابًا نازلًا من السماء بسبب خروجهم المتكرر عن الطاعة. فامتثل أحكام الوحي كما شرعها الله، ولا تستبدل بالاستغفار سخريةً، ولا بالطاعة حيلًا تُبقي صورة الأمر وتهدم مقصده. وإذا نقلت حكمًا أو علمًا، فأدِّه بأمانة من غير زيادة تحرّف معناه أو نقصٍ يعطله. واعلم أن العقوبة لم تنزل لمجرد زلة عابرة، بل على الذين ظلموا بسبب تماديهم في الفسق؛ فلا تأمن عاقبة الإصرار، وبادر إلى تصحيح المخالفة قبل أن تتحول إلى عادةٍ تُقسّي القلب وتستجلب العقوبة.

2|60|۞ وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ فَقُلْنَا ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ ۖ فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًۭا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍۢ مَّشْرَبَهُمْ ۖ كُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ مِن رِّزْقِ ٱللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ

إذا احتاج من تحت مسؤوليتك إلى ما يحفظ حياتهم، ويصلح شؤونهم، فلا تهمل حاجتهم؛ فقد استسقى موسى عليه السلام لقومه، فسأل الله لهم الماء، ثم امتثل السبب الذي أمره به فضرب الحجر بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا. فاجمع بين الدعاء والأخذ بالأسباب المشروعة، ولا تنسب أثرها ولا نتائجها إليها استقلالًا عن الله؛ فالرزق والقدرة لله وحده. ونظّم توزيع الموارد بالعدل والوضوح، حتى يعرف كل فريق حقه ولا يقع التنازع أو الاستئثار، كما علم الله كل أناسٍ مشربهم. وكل من طعام الله وشرابه حلالًا طيبًا، من غير إسراف أو احتكار أو إفساد. ولا تقابل وفرة النعمة بالعدوان في الأرض؛ فتلويث الماء، وإهدار الموارد، وأكل حقوق الناس صورٌ من الفساد، وشكر الرزق يكون بصيانته، والعدل فيه، وتسخيره فيما يرضي الله.

2|61|وَإِذْ قُلْتُمْ يَـٰمُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍۢ وَٰحِدٍۢ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلْأَرْضُ مِنۢ بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِى هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِى هُوَ خَيْرٌ ۚ ٱهْبِطُوا۟ مِصْرًۭا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ

لا تدع الاعتياد على النعمة يحوّلها في عينك إلى شيءٍ حقير، ولا تستبدل ما اختاره الله لك من خير بما هو أدنى لمجرد الملل والشهوة؛ فقد ضاق قوم من بني إسرائيل بالمنّ والسلوى، وهما رزق طيب ميسّر، وطلبوا بدلًا منهما أطعمةً معتادة تنبتها الأرض، فقيل لهم: انزلوا بلدًا تجدوا ما سألتم. فاطلب المباح من غير اعتراض على تدبير الله، وميّز بين تنويعٍ مشروع وبين تذمرٍ يجحد فضل المنعم، ولا تجعل كثرة الخيارات سببًا لازدراء ما بين يديك. واعلم أن الذلة والمسكنة وغضب الله على بني إسرائيل لم تنزل لمجرد طلب الطعام، بل بسبب مسار متراكم من الكفر بآياته، وقتل النبيين ظلمًا، والعصيان، والاعتداء. فلا تستهِن بالمخالفة المتكررة؛ فإن الإصرار يجرّ إلى عدوان أعظم وعواقب أشد، واحفظ كرامتك بالإيمان والطاعة وشكر النعم، واسأل الله قلبًا قانعًا يبصر فضل ما رزقه.

2|62|إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلصَّـٰبِـِٔينَ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

لا تغترّ باسمٍ ديني أو انتماءٍ موروث؛ فالنجاة ليست بمجرد الانتساب، وإنما بالإيمان الصادق بالله واليوم الآخر والعمل الصالح وفق الوحي الذي أوجبه الله في كل زمن. فمن آمن من أتباع الأنبياء السابقين بنبيّه واتبع شريعته قبل بعثة محمد ﷺ فله أجره عند ربه، أمّا بعد بعثته ﷺ فلا يصح الإيمان إلا بتصديقه واتباع القرآن والشريعة الخاتمة الناسخة لما قبلها؛ إذ لا يقبل الله دينًا سوى الإسلام. فاختبر حقيقة إيمانك بما يثمره من توحيد وطاعة واستعداد للحساب، ولا تجعل اختلاف الأسماء ذريعةً لتسوية العقائد المتناقضة أو إهمال وجوب اتباع الرسول ﷺ. وأحسن دعوة الناس إلى الحق بالحكمة والعدل، من غير ظلمٍ أو تعصب. ومن حقق الإيمان والعمل الصالح فله ثواب محفوظ عند الله، وأمن من أهوال الآخرة، فلا يخاف مما يستقبله ولا يحزن على ما فاته من الدنيا.

2|63|وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍۢ وَٱذْكُرُوا۟ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

خُذ ما أنزل الله بجدٍّ وعزم، ولا تتعامل مع الوحي بانتقاءٍ أو فتور؛ فقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل، ورفع فوقهم الطور تأكيدًا لعِظم العهد، وأمرهم أن يتمسكوا بما آتاهم بقوة. ولأمة محمد ﷺ القرآن والشريعة الخاتمة، فاقرأهما بقصد الإيمان والتدبر والفهم والامتثال، وتعلّم ما تحتاج إليه من أحكامهما، وثبّت الفرائض في حياتك، واترك ما حرّمه الله ولو خالف الهوى أو العادة. وليس الأخذ بقوة غلظةً أو تشددًا بغير علم، بل صدقٌ وثباتٌ وانقيادٌ مع رحمةٍ وحكمة. وداوم على تذكّر ما في الوحي؛ فالحفظ أو التلاوة بلا تدبر وعمل لا يحققان المقصود. وراجع عهدك مع الله عند كل قرار: هل تحكم أمره أم رغبتك؟ فدوام العلم والعمل يثمر التقوى؛ فتوقّر الله، وتطيعه، وتتجنب ما يسخطه.

2|64|ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۖ فَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لَكُنتُم مِّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ

لا تنقض عهدك مع الله بعد أن عرفت الحق والتزمت به؛ فقد تولّى بنو إسرائيل بعد الميثاق والآيات المؤكدة، فاستحقوا الخسران، ولولا فضل الله عليهم ورحمته بإمهالهم وفتح باب التوبة لهم لهلكوا. فاحذر أن تبدأ الطاعة بحماس ثم تتركها عند المشقة أو تغيّر المصلحة، ولا تجعل معرفتك السابقة عذرًا للاغترار؛ فكلما كان البيان أوضح كانت مسؤولية الإعراض أعظم. وإذا ضعفت أو قصّرت، فلا تتمادَ، بل ارجع سريعًا، وجدّد توبتك، وأصلح ما نقضته من واجب أو حق. وانسب بقاءك على الإيمان وقدرتك على الرجوع إلى فضل الله ورحمته، لا إلى قوتك وحدها، مع الأخذ بأسباب الثبات. ولا تفسّر تأخر العقوبة رضا؛ بل اسأل الله أن يحفظك من التولي، ويثبتك على عهده حتى تلقاه.

2|65|وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَوْا۟ مِنكُمْ فِى ٱلسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا۟ قِرَدَةً خَـٰسِـِٔينَ

احذر التحايل على أحكام الله بما يُظهر الامتثال ويُخفي المعصية؛ فقد عرف بنو إسرائيل خبر المعتدين منهم في السبت، حين تجاوزوا الحد الذي شرعه الله، فعاقبهم بأن مسخهم قردةً أذلاء مطرودين من رحمته. فلا تجعل الحيلة وسيلةً إلى ارتكاب المحرّم مع الاحتفاظ بصورته القانونية، ولا تغيّر أسماء المعاصي لتستحلّها، ولا تستغل الثغرات لإبطال مقصود الشرع؛ فالله يعلم حقيقة العمل ونيّة صاحبه. وهذه العقوبة مخصوصة بأولئك المعتدين، لكن التحذير باقٍ لكل من يستهين بحدود الله أو يداوم على انتهاكها بعد وضوحها. وإذا علمت بخطأ أمةٍ سابقة، فلا تتعامل معه كقصة بعيدة، بل فتّش عن نظائره في معاملاتك وعباداتك. واحفظ كرامتك بالطاعة الصادقة، فإن المعصية المقرونة بالمكر تورث الذل، وتعرّض صاحبها لعقوبة الله.

2|66|فَجَعَلْنَـٰهَا نَكَـٰلًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةًۭ لِّلْمُتَّقِينَ

لا تمرّ على عقوبات الأمم السابقة مرور المتفرّج؛ فقد جعل الله ما وقع بأصحاب السبت عقوبةً رادعةً لمن عاصرهم، وعبرةً لمن جاء بعدهم، وموعظةً ينتفع بها المتقون. فاقرأ أخبار الهالكين لتعرف سنن الله فيمن يعتدي على حدوده، ثم فتّش في حياتك عن مقدمات الذنب نفسه: الرغبة الغير مشروعة، التهاون، والتحايل، والإصرار، وتزيين المخالفة. ولا تظن أن اختلاف الزمان يحجب عنك دلالة القصة؛ فالعبرة باقية لكل من شابههم في الفعل، وإن اختلفت صورته. واجعل خوفك من العقوبة دافعًا إلى التوبة والطاعة، لا إلى اليأس، واعتبر قبل أن تصبح عبرةً لغيرك. والمتقي لا يكتفي بمعرفة ما جرى، بل يراجع نفسه، ويترك طريق المعصية من بدايته، ويوقن أن حدود الله صيانةٌ له، وأن الاتعاظ الصادق يظهر في قرارٍ يتغير وسلوكٍ يستقيم.

2|67|وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا۟ بَقَرَةًۭ ۖ قَالُوٓا۟ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًۭا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ

إذا بلغك أمرٌ ثابت عن الله فاسمع وأطع فورًا، من غير شكٍّ أو تردّد أو تسويف، ولا تجعل عدم إدراكك لحكمته عذرًا لتأخير، ولا تقابله بالسخرية أو الاتهام لمجرد أنك لم تدرك حكمته؛ فقد أخبر موسى عليه السلام قومه أن الله يأمرهم بذبح بقرة، فبدل أن يبادروا إلى الامتثال اتهموه بأنه يهزأ بهم. فاسأل عمّا أشكل عليك طلبًا للفهم والعمل، لا اعتراضًا وتعنتًا أو تشكيكًا في صدق المبلّغ الأمين، ولا تجعل غرابة الأمر في نظرك دليلًا على بطلانه؛ فعلم الله كامل، وقد تخفى عليك الحكمة. وإذا نقلت حكمًا شرعيًا، فتثبت من صحته، وبيّنه بوقار، ولا تمزج الدين بالمزاح الذي يستخف بأوامر الله أو يوقع الناس في الالتباس. واقتدِ بموسى عليه السلام في الاستعاذة بالله من الجهل؛ فالاستهزاء بالناس، ولا سيما في مقام البلاغ والقضاء والحقوق، ليس فطنةً، بل جهلٌ يناقض الأمانة والرحمة.

2|68|قَالُوا۟ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ ۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌۭ لَّا فَارِضٌۭ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌۢ بَيْنَ ذَٰلِكَ ۖ فَٱفْعَلُوا۟ مَا تُؤْمَرُونَ

لا تجعل الاستفسار عن التكليف وسيلةً للمماطلة بعد وضوح أصله؛ فقد أُمر قوم موسى عليه السلام بذبح بقرة، ثم طلبوا تحديد صفتها، فبيّن الله أنها متوسطة السن، ليست كبيرةً هرمة ولا صغيرةً فتية، وأمرهم بعد البيان أن ينفّذوا ما كُلّفوا به. فاسأل عمّا تحتاج إليه فعلًا لضبط الامتثال ومنع الخطأ، ولا تتوسع في أسئلة لا يتوقف عليها العمل، فتضيّق على نفسك ما تركه الشرع واسعًا أو تؤخر الواجب انتظارًا لتفاصيل غير لازمة. وإذا جاءك الجواب الكافي، فانتقل من البحث إلى التنفيذ، ولا تعاود السؤال بصيغ مختلفة هربًا من المسؤولية. وفي الدين والعمل والحقوق، ميّز بين الاستيضاح النافع والتعقيد المتعمد؛ فالأول يحسن الأداء، والثاني يستنزف الوقت ويكشف ضعف العزم. واطلب من الله فهمًا يقودك إلى امتثال دقيق بلا تعنت أو تسويف.

2|69|قَالُوا۟ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا ۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌۭ صَفْرَآءُ فَاقِعٌۭ لَّوْنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّـٰظِرِينَ

لا تُكثر طلب التفاصيل بعد أن صار التكليف قابلًا للتنفيذ، فتنتقل من سؤالٍ إلى آخر وتزيد على نفسك القيود؛ فقد سأل قوم موسى عليه السلام عن لون البقرة بعد بيان سنّها، فحدّد الله لهم أنها صفراء شديدة الصفرة، يسرّ منظرها الناظرين. فاطلب التوضيح حين يمنع الجهلُ به صحةَ العمل، ثم اكتفِ بالبيان الكافي، ولا تجعل التدقيق المتتابع بابًا للتعنت أو الهروب من القرار. وإذا كُلِّفت بوصف شيء أو اختياره، فكن دقيقًا في نقل الصفات المؤثرة، ولا تستبدل الوضوح بألفاظ محتملة. وتعلّم أن الجمال الحلال نعمة يقرّها الشرع؛ فاختر في لباسك وبيتك وعملك ما يجمع الحسن والنفع من غير إسراف أو كِبر. ولا تجعل إعجابك بالمظهر يطغى على المقصد؛ فحسن الصورة قيمة، لكن الامتثال الصادق هو الغاية.

2|70|قَالُوا۟ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ ٱلْبَقَرَ تَشَـٰبَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ

إذا تشابهت أمامك الخيارات ولم تعد الصفات السابقة كافيةً للتمييز، فاطلب بيانًا محددًا يزيل الاشتباه ويقود مباشرةً إلى العمل؛ فقد عاد قوم موسى عليه السلام يسألون عن البقرة بعد تعدد ما يشبهها في نظرهم. لكن لا تجعل الغموض الذي نشأ من كثرة التردد ذريعةً لمزيد من التأخير، ولا تطلب تفصيلًا جديدًا بعد كل جواب من غير ضرورة. وانسب اهتداءك إلى توفيق الله، كما قالوا: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾؛ فقل «إن شاء الله» اعترافًا بأن الوصول إلى الصواب بمشيئته، مع صدق العزم وبذل أسباب الفهم والتنفيذ، لا عبارةً تُقال لتغطية التردد أو التنصل من المسؤولية. وإذا وضحت لك العلامات الفاصلة، فاحسم اختيارك وابدأ الامتثال؛ فطلب البيان محمود حين ينهي الاشتباه، ومذموم حين يتحول إلى باب لا ينتهي من المماطلة.

2|71|قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌۭ لَّا ذَلُولٌۭ تُثِيرُ ٱلْأَرْضَ وَلَا تَسْقِى ٱلْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌۭ لَّا شِيَةَ فِيهَا ۚ قَالُوا۟ ٱلْـَٔـٰنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ ۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا۟ يَفْعَلُونَ

إذا اكتملت أمامك مواصفات التكليف، فلا تؤخر التنفيذ بحجة انتظار مزيد من البيان؛ فقد وصف الله لبني إسرائيل البقرة بأنها غير مذللة للعمل، لا تحرث الأرض ولا تسقي الزرع، سليمة من العيوب، خالصة اللون لا علامة فيها، فتميزت عما سواها. ومع ذلك قالوا: ﴿الآن جئت بالحق﴾، مع أن موسى عليه السلام جاءهم به منذ أول أمر؛ إذ كان التكليف واضحًا مستوفيًا، ولو بادروا لأجزأتهم أي بقرة، وإنما أوهمهم تعنتهم أن البيان السابق غير كافٍ. فكثرة أسئلتهم ضيّقت عليهم ما كان واسعًا، حتى صار المطلوب شاقًا ونادرًا. فلا تنسب قصور فهمك أو تأخر إدراكك إلى نقص في الحق، ولا تجعل القيود والمشاق التي جلبتها عليك مماطلتك عذرًا للتراجع. ونفّذ ما ثبت لك بدقة وعلى الفور؛ فقد ذبحوها أخيرًا بعد أن أثقلوا الأمر على أنفسهم، وأظهروا ضعف انقيادهم، وكاد تثاقلهم يمنعهم من الامتثال؛ فاعلم أن أمر الله لا يسقطه تعنُّت أحد، ولا يعفي التردد صاحبه من الطاعة والمسؤولية.

2|72|وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًۭا فَٱدَّٰرَٰٔتُمْ فِيهَا ۖ وَٱللَّهُ مُخْرِجٌۭ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ

لا تُخفِ جريمةً أو حقًّا تعلمه، ولا تدفع التهمة عن نفسك بإلقائها على الأبرياء؛ فقد قُتلت نفسٌ في بني إسرائيل، ثم تنازعوا في قاتلها، ودفع كل فريق التهمة عن نفسه، مع كتمان الحقيقة. فإذا وقع ظلم أو اعتداء، فاطلب كشفه بالعدل والبيّنة، وأدِّ شهادتك كاملةً، ولا تتواطأ على الصمت أو تحرّف الوقائع لحماية قريب أو صاحب نفوذ. وإن كنت مذنبًا، فبادر إلى الاعتراف والتوبة وتحمل ما يلزم شرعًا، ولا تضف إلى الجريمة كذبًا واتهامًا وظلمًا جديدًا. واعلم أن ما يُخفى عن الناس لا يخفى على الله؛ فهو يعلم الفاعل والدافع والتدبير، وقادر على إظهار ما كُتم وإبطال الحيل التي تستره. فطهّر سريرتك قبل انكشافها، ولا تجعل تأخر ظهور الحقيقة يغريك بالتمادي؛ فالحق قد يُحجب زمنًا، لكنه لا يضيع عند الله.

2|73|فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْىِ ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

امتثل أمر الله ولو خفيت عليك كيفية أثره؛ فقد أُمر بنو إسرائيل أن يضربوا القتيل ببعض البقرة، فأحياه الله وأظهر به حقيقةً كتموها، لا لأن الجزء يحيي بذاته، بل لأن الله وحده يخلق الحياة ويجعل ما يشاء سببًا لتنفيذ أمره. فلا تربط قدرتَه بما ألفته من الأسباب، ولا تنكر خبرًا صحيحًا لأن عقلك لم يدرك كيفيته؛ وخذ بالأسباب المشروعة مع اعتقاد أن النتائج بيد الله وحده. واستيقن أن إحياء ذلك القتيل برهان على قدرة الله على بعث جميع الموتى للحساب، فاستعد للقائه بإيمانٍ صادق وتوبةٍ وردٍّ للحقوق. ولا تمرّ بآيات الله دون تدبر؛ فقد أراك دلائل قدرته لتستعمل عقلك في فهمها، وتنتقل من المعرفة إلى اليقين والطاعة، وتعلم أن الله قادر على كشف البواطن والخفايا وإظهار الحق وإبطال الكتمان.

2|74|ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةًۭ ۚ وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلْأَنْهَـٰرُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

لا تظن أن مشاهدة الآيات العظيمة تكفي وحدها لإصلاح القلب إذا كان مريضًا بالشك والشبهات، ممتلئًا بالباطل، مصرًّا على الإعراض؛ فالآيات تنفع من يطلب الحق ويتهيأ لقبوله. فقد قست قلوب بني إسرائيل بعد إحياء القتيل أمامهم وكشف الحقيقة، حتى صارت كالحجارة أو أشد قسوة. فراقب أثر القرآن والمواعظ فيك: هل يلين قلبك للحق، وتندم على الذنب، وتسارع إلى الطاعة، أم تسمع ثم تبقى على الإعراض؟ وعالج القسوة بكثرة ذكر الله، وتدبر كلامه، وصدق التوبة، ورحمة الخلق، وترك الإصرار على المعصية. ولا تكن دون الحجر استجابةً؛ فمنه ما تتفجر منه الأنهار، ومنه ما يتشقق فيخرج الماء، ومنه ما يهبط من خشية الله، بينما القلب القاسي لا يفيض خيرًا، ولا يتأثر بموعظة، ولا يخضع لأمر. ولا تغتر بما تخفيه من جمود أو مخالفة؛ فالله لا يغفل عن أعمالك، ويعلم ظاهرها وباطنها، فاسأله قلبًا مخلصاً خاشعًا حيًّا يثمر طاعةً ورحمة.

2|75|۞ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا۟ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌۭ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

لا تبنِ دعوتك على توقع أن يستجيب كل من سمع الحق؛ فقد كان فريق من بني إسرائيل يسمعون كلام الله، ويفهمون معناه، ثم يغيّرونه عمدًا وهم يعلمون أنهم يحرفون الحق. فبلّغ بصدق وحكمة، وارجُ هداية الناس، لكن لا تجعل إعراض المعاندين سببًا لليأس أو الشك في وضوح الوحي؛ فالخلل قد يكون في فساد الإرادة لا في نقص البيان. وإذا ائتمنت على آية أو حكم أو شهادة، فانقلها كما هي، ولا تبدّل لفظًا أو معنىً لتوافق مصلحةً أو هوى أو ترضي جمهورًا. وميّز بين خطأ الفهم غير المتعمد والتحريف بعد العلم؛ فالثاني خيانة للعلم وأشد جرمًا. وراجع نفسك عند تفسير النصوص: هل تتبع مراد الله، أم تبحث عما يبرر رغبتك؟ واسأل الله قلبًا يقبل الحق، وخشية تصونه من التحريف، ولسانًا يؤديه بأمانة.

2|76|وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍۢ قَالُوٓا۟ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِۦ عِندَ رَبِّكُمْ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

لا تجعل لك وجهًا مع المؤمنين ووجهًا آخر في مجالسك الخاصة؛ فقد كان فريق من بني إسرائيل يُظهرون للمؤمنين التصديق، ثم يلوم بعضهم بعضًا إذا انفردوا لأنهم كشفوا ما في كتبهم من حقٍّ يؤيد صدق محمد ﷺ، خوفًا من أن يقيم المؤمنون عليهم الحجة. فاثبت على موقف واحد يوافق ما تعلمه من الحق، ولا تغيّر كلامك بحسب الحاضرين، ولا تكتم علمًا واجب البيان حمايةً لجماعة أو مصلحة. وإذا ظهرت حجة تخالف هواك، فاستجب لها بدل أن تمنع تداولها أو تهاجم من أعلنها. ولا تتوهم أن إخفاء الدليل عن الناس يسقط مسؤوليتك أمام الله؛ فالحجة قائمة بعلمه ووحيه، لا باعترافك بها. وراجع عقلك وضميرك: كيف تقرّ بالحق ظاهرًا ثم تتآمر على حجبه باطنًا؟ فالعقل الصادق يجمع بين العلم والإقرار والعمل به، والنفاق يبددها جميعًا.

2|77|أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ

راقب الله في خلواتك كما تراقبه أمام الناس؛ فهو يعلم ما تخفيه الصدور وما تتناقله المجالس السرية، كما يعلم الأقوال والأعمال المعلنة. فلا تُظهر إيمانًا أو أمانةً أو نصحًا، ثم تضمر خلافه أو تدبّر في الخفاء ما يناقضه؛ فستر الناس لا يحجب شيئًا عن علم الله، وتوافق المتواطئين على الكتمان لا يمحو الحقيقة. وطهّر باطنك من الحسد والكِبر والخداع، وعالج ما يعرض لقلبك قبل أن يتحول إلى قول أو فعل، وتُب من الذنوب المستترة كما تتوب من الظاهرة. ولا تجعل خوفك من انكشاف أمرك للناس أكبر من خشيتك أن تلقى الله به؛ بل وحّد سريرتك وعلانيتك على الصدق. وإذا عجز الناس عن إثبات خيانة أو كذب، فلا تظن أنك نجوت؛ فالله يعلم الدافع والتدبير والتنفيذ، وسيحاسب كل امرئ على ما قدّم.

2|78|وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ إِلَّآ أَمَانِىَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ

لا تجعل صلتك بكتاب الله مجرد تلاوةٍ بلا فهم، أو أمانيَّ تتمنى بها النجاة من غير إيمان صحيح وعمل؛ فقد كان من بني إسرائيل أميون لا يعرفون حقيقة الكتاب، وإنما يرددون ما سمعوه أو يتعلقون بدعاوى وأوهام، ثم يبنون دينهم على الظن. فتعلّم من القرآن وصحيح السنة ما يصحح اعتقادك وعبادتك ومعاملاتك، واسأل أهل العلم الموثوقين عمّا أشكل عليك، ولا تكتفِ بما ورثته أو شاع بين الناس من غير دليل. وميّز بين ما تعلمه يقينًا وما تظنه؛ فلا تنسب إلى الله حكمًا بلا علم، ولا تجعل رغبتك في الثواب بديلًا عن امتثال أوامره وترك نواهيه. والخطاب وإن ورد في فريق منهم، فتحذيره باقٍ لكل من يقرأ الوحي ولا يفقهه، أو يتبع الأماني بدل البينة؛ فالعلم الحق يورث بصيرةً وعملًا، والظن لا يغني من الحق شيئًا.

2|79|فَوَيْلٌۭ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَـٰبَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُوا۟ بِهِۦ ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا ۖ فَوَيْلٌۭ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌۭ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ

لا تنسب إلى الله قولًا أو حكمًا لم يقله، ولا تصنع نصًّا أو فتوى ثم تكسوه قداسة الوحي لتنال مالًا أو منصبًا أو نفوذًا؛ فقد توعّد الله الذين كتبوا الباطل بأيديهم ثم زعموا أنه من عنده، كما وقع من طوائف من اليهود والنصارى حين حرّفوا وبدّلوا في التوراة والإنجيل المنزلين، وكتموا بعض ما فيهما اتباعًا لأهوائهم وابتغاءً لمصالحهم، ثم نسبوا إلى الله ما صنعوه بأيديهم، ليشتروا به منفعةً دنيوية قليلة زائلة. فتثبّت قبل أن تقول: هذا حلال أو حرام، وانقل القرآن والسنة بأمانة، وميّز بوضوح بين النص الشرعي وفهمك البشري، ولا تُخضع الدين لرغبة ممول أو جمهور أو صاحب سلطة. وليس الوعيد على الكذب وحده، بل على ما خطّته الأيدي من تحريف، وعلى المال والمكاسب الناتجة عنه؛ فلا تنتفع بدخل قام على تضليل الناس أو استغلال ثقتهم بالدين. وأما الأجر المشروع على التعليم والبحث الصادق فلا يدخل في ذلك. فطهّر علمك وقلمك وكسبك، وردّ الحقوق، وصحّح ما نشرت إن أخطأت، وتب إلى الله قبل أن تلقاه بما افتريت وكسبت.

2|80|وَقَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًۭا مَّعْدُودَةًۭ ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْدًۭا فَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُۥٓ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

لا تمنح نفسك أمانًا من عذاب الله بأمنياتٍ لا دليل عليها؛ فقد زعم قوم من بني إسرائيل أن النار لن تمسهم إلا أيامًا معدودة، من غير عهد ثابت من الله. فلا تعتمد على نسبٍ ديني، أو أعمالٍ سابقة، أو شفاعةٍ متوهَّمة، ولا تواصل المعصية مطمئنًا إلى أن عقوبتها يسيرة أو مؤقتة. واسأل عن الدليل قبل أن تنسب إلى الله وعدًا أو حكمًا؛ فإن كان في الوحي عهدٌ صحيح فالله لا يخلف عهده، وإن لم يكن فقولك عليه بغير علم افتراء وخطر عظيم. ولا تحدد مصير أحد أو مدة عذابه برأي أو تقليد، بل قف عند نصوص القرآن وصحيح السنة. واجمع بين رجاء رحمة الله والخوف من عدله، فتب من ذنبك، وأصلح عملك، ولا تجعل حسن الظن بالله ستارًا للإصرار على مخالفته.

2|81|بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةًۭ وَأَحَـٰطَتْ بِهِۦ خَطِيٓـَٔتُهُۥ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ

لا تُهوِّن من خطيئةٍ حتى تملك قلبك وتحيط بك وتقطعك عن التوبة؛ فاحفظ توحيدك، وجدّد إيمانك، وكن أواباً تواباً، فالسيئة المقصودة هنا هي الكفر والشرك إذا استوليا على صاحبهما، وأصرّ عليهما حتى مات من غير رجوع إلى الله، فأولئك أصحاب النار خالدون فيها. فلا تفهم الآية على أن كل ذنبٍ يقع فيه مسلم يوجب الخلود؛ فالعاصي الموحِّد تحت مشيئة الله ما دام أصل إيمانه قائمًا ولم يمت على ناقضٍ له، وباب التوبة مفتوح ما دام حيًّا. لا تستهِن بمعصية، ولا تكررها أو تبررها حتى تصير عادةً تقسي القلب وتضعف إنكار الذنب. اقطعها فورًا، واندم عليها، واعزم على عدم العودة، وردّ حقوق الناس، وأصلح ما أفسدت، واستعن بالله على الثبات وحسن الخاتمة. ولا تؤخر التوبة أبدًا اتكالًا على طول الأمل؛ فقد يأتي الموت قبل أن يتحرر القلب مما أحاط به. ولا تحكم على معيّن بالخلود؛ فالحكم العام للوحي، والسرائر والخواتيم إلى علم الله وعدله.

2|82|وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ

ثبّت إيمانك بالله ورسوله ﷺ، واجعل صدقه ظاهرًا في عملك؛ فالوعد بالجنة جمع بين الإيمان والعمل الصالح، فلا تكتفِ بدعوى في القلب لا تُثمر طاعة، ولا تعتمد على أعمالٍ تخلو من التوحيد والإخلاص واتباع الوحي. حافظ على الفرائض، واترك المحرمات، وأحسن إلى الخلق، وأدِّ الحقوق، وبادر إلى التوبة عند التقصير، واجعل كل عمل خالصًا لله وعلى هدي رسوله ﷺ. ولا تغتر بطاعةٍ فتمنّ بها على الله؛ فدخول الجنة برحمته وفضله، والعمل الصالح سببٌ شرعه ودليلٌ على صدق الإيمان. وداوم على الخير حتى تلقى الله، ولا تجعل صلاحك موسمًا مؤقتًا يتبعه فتور وانقطاع. واستبشر بوعده الثابت للمؤمنين العاملين: صحبة الجنة والخلود فيها بلا موت ولا زوال، واسأله أن يثبتك على الإيمان والطاعة حتى تلقاه.

2|83|وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَانًۭا وَذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَقُولُوا۟ لِلنَّاسِ حُسْنًۭا وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ

أخلص العبادة لله وحده، ولا تصرف منها دعاءً أو رجاءً أو خوفًا تعبديًّا لغيره؛ فهذا أصل الميثاق وأعظم الحقوق. وأحسن إلى والديك قولًا وفعلًا وخدمةً ونفقةً بالمعروف، ولا تؤذهما أو تتكبر عليهما، مع عدم طاعتهما في معصية الله. وصِل أقاربك، وارعَ اليتيم واحفظ ماله وكرامته، وأعن المسكين بما تستطيع من مالٍ وقضاء حاجة. وخاطب الناس جميعًا بالكلام الطيب الصادق؛ فلا تسبّ أو تحتقر أو تخدع، ولا تجعل اختلافك معهم مبررًا لسوء القول. وأقم الصلاة كاملةً في وقتها بخشوعٍ يظهر أثره في سلوكك، وأخرج الزكاة لمستحقيها بلا منّ أو تأخير. ولا تنتقِ من الدين ما يوافق رغبتك ثم تعرض عن بقيته؛ فقد تولّى أكثر بني إسرائيل بعد الميثاق. فراجع وفاءك: هل تجمع التوحيد والعبادة وحقوق الخلق، أم تكتفي ببعضها وتترك بعضًا؟

2|84|وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَـٰرِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ

صُن دماء الناس وحرماتهم، ولا تقتل نفسًا بغير الحق، ولا تُعِن على قتلها بتحريضٍ أو تمويلٍ أو تستر؛ فاعتداء بعض المجتمع على بعض كاعتدائه على نفسه، لما يجلبه من الثأر والخوف وفساد الأمن. ولا تُخرج إنسانًا من داره ظلمًا، ولا تشارك في تهجيره أو الاستيلاء على مسكنه أو ترويعه حتى يرحل؛ فالديار موضع أمنٍ وحق، لا أداةً للانتقام أو الغلبة. وانصر المظلوم بالوسائل المشروعة، وأدِّ الشهادة التي تحفظ دمه ومسكنه، ولا تسكت لمصلحة قريب أو جماعة. وقد أقرّ بنو إسرائيل بهذا الميثاق وشهدوا على لزومه، ثم نقضه فريقٌ منهم، كما نقضوا مواثيق أخرى بعدما عرفوها وأقرّوا بها؛ فكان عدوانهم ونقضهم للميثاق بعد العلم والإقرار أشدَّ جرمًا وأعظم حُجّةً عليهم. فاحفظ كل عهد أقررته، ولا تجعل اعترافك بالحق كلامًا يخالفه فعلك؛ فمن شهد على التزامه قامت عليه الحجة، وصار مسؤولًا أمام الله عن الوفاء به.

2|85|ثُمَّ أَنتُمْ هَـٰٓؤُلَآءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًۭا مِّنكُم مِّن دِيَـٰرِهِمْ تَظَـٰهَرُونَ عَلَيْهِم بِٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَـٰرَىٰ تُفَـٰدُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ۚ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍۢ ۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌۭ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلْعَذَابِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

لا تجعل العصبية أو التحالفات والمصالح تبيح لك ظلم أحد؛ فقد كان فريق من بني إسرائيل يقتل بعضهم بعضًا، ويُخرجون طائفةً منهم من ديارهم، ويتعاونون عليهم بالإثم والعدوان، ثم إذا وقع المطرودون أسرى فادوهم، متمسكين بحكمٍ وناقضين حكمًا آخر. فلا تشارك في اعتداء، ولا تُعِن ظالمًا بمال أو رأي أو نفوذ، ولا تهجّر إنسانًا من بيته ثم تتظاهر بالرحمة بعد وقوع الضرر؛ ففداء الأسير لا يمحو جريمة القتل أو الإخراج. والتزم كتاب الله كله، فلا تأخذ منه ما يوافق مصلحتك وتترك ما يحمّلك كلفةً أو يمنع هواك؛ فالإيمان الصادق لا يقبل الانتقاء المتعمد بين أوامر الله. وإذا أخطأت، فأصلح أصل الظلم لا مظهره فقط: أوقف العدوان، وردّ الحقوق، وأعد المظلوم إلى حقه. واحذر خزي الدنيا وعذاب الآخرة؛ فالله يعلم تعاونك الظاهر والخفي، ولا يغفل عن شيء من عملك.

2|86|أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْـَٔاخِرَةِ ۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ

لا تبع آخرتك بعرضٍ عاجل من الدنيا؛ فلا تجعل المال أو المنصب أو رضا الجماعة أو السلامة المؤقتة أثمن عندك من طاعة الله والوفاء بحكمه. فقد اختار أولئك مصالح الدنيا على النجاة في الآخرة، فتركوا بعض الكتاب واعتدوا على الدماء والديار، فكأنهم دفعوا آخرتهم ثمنًا لما نالوه من مكاسب زائلة. فاعرض كل قرار على ميزان الوحي: إن ربحت به دنياك وخسرت رضا الله فاتركه، وإن فاتتك به منفعة عاجلة وحفظت دينك فاصبر واحتسب. ولا تغتر بقوةٍ تحميك اليوم أو جماعةٍ تؤيدك؛ فلن تمنع عنك حكم الله إذا لقيته مصرًّا على الباطل. ولا تؤخر التوبة اعتمادًا على شفيع أو نفوذ؛ فمن استحق العذاب بإصراره على الكفر والعدوان فلن يُخفف عنه، ولن يجد من ينصره. واجعل الدنيا وسيلةً للآخرة لا بديلًا عنها، واسأل الله أن يصرف قلبك عن بيع الباقي بالفاني، ويثبتك على الحق مهما ارتفعت كلفته.

2|87|وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ وَقَفَّيْنَا مِنۢ بَعْدِهِۦ بِٱلرُّسُلِ ۖ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌۢ بِمَا لَا تَهْوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًۭا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًۭا تَقْتُلُونَ

اقبل رسل الله وكتبه جميعًا كما أنزلها، ولا تجعل هواك حاكمًا على الوحي؛ فقد آتى الله موسى التوراة، وأرسل من بعده رسلًا متتابعين، وآتى عيسى ابن مريم البينات، وأيّده بروح القدس جبريل عليه السلام. فآمن بعيسى نبيًّا ورسولًا وعبدًا لله، ولا ترفعه إلى مقام الألوهية، وآمن بمحمد ﷺ خاتم النبيين واتبع شريعته الناسخة لما قبلها. وإذا جاءك حكم ثابت يخالف رغبتك أو عادتك، فاتهم هواك لا الحق، واخضع لله بدل الاستكبار. ولا تنتقِ من دعوة الرسل ما يرضيك ثم تردّ ما يشق عليك؛ فالتكذيب يبدأ برفض البيان، وقد يتدرج بصاحبه إلى أذى الدعاة إلى الحق والعدوان عليهم. واحذر أن تجعل مكانتك أو جماعتك مانعًا من قبول الهدى، واسأل الله قلبًا منقادًا يصدق رسله، ويتبع أمره، ولا يعادي أهل الحق لأنهم خالفوا شهواته. وراجع نفسك عند كل اعتراض: أهو قائم على دليل صحيح، أم أن النفس تكره ما يحدّ شهواتها ومصالحها؟

2|88|وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا غُلْفٌۢ ۚ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًۭا مَّا يُؤْمِنُونَ

لا تجعل إعراضك عن الحق عذرًا تزعم به أن قلبك لا يفهم أو لا يتأثر؛ فقد ادعى قوم أن قلوبهم مغلقة لا يصل إليها البيان، والحقيقة أن كفرهم وإصرارهم على الرفض كانا سببًا في طردهم من رحمة الله وحرمانهم من الانتفاع بالهدى. فاستمع إلى القرآن بقلبٍ يطلب الحق، وتدبره، واعمل بما فهمت، واسأل أهل العلم الموثوقين عمّا أشكل عليك. ولا تتخذ صعوبة الفهم، أو العادة، أو الموروث، أو مخالفة الحكم لهواك ستارًا لرد الوحي؛ فاستمرار الرفض يقسي القلب ويضعف استجابته. وبادر إلى التوبة من الكبر والعناد، واطلب من الله أن يفتح قلبك للإيمان ويثبتك عليه، مع بذل أسباب التعلم والطاعة. ولا تغتر بإقرارٍ محدود ببعض الحق مع إنكار أكثره؛ فالإيمان النافع تصديقٌ شامل وانقيادٌ صادق، لا قبولٌ قليل متقطع تحكمه المصلحة.

2|89|وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَـٰبٌۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌۭ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا۟ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا۟ كَفَرُوا۟ بِهِۦ ۚ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ

لا تطلب الحق وتستبشر به ما دام غائبًا، ثم ترفضه حين يأتيك على غير الصورة التي اشتهيتها؛ فقد كان فريق من بني إسرائيل يستنصرون على المشركين بالنبي الموعود، فلمّا جاءهم القرآن من عند الله مصدّقًا لما بقي معهم من الحق، وجاءهم هذا النبي محمد ﷺ الذي عرفوا صفته، كفروا به حسدًا واستكبارًا؛ لأنه بُعث من ذرية إسماعيل عليه السلام، لا من بني إسرائيل كما اشتهت نفوسهم. فاقبل الدليل ولو جاء على يد من لم تتوقعه، ولا تجعل العصبية أو المكانة أو المصلحة حاجزًا بينك وبين ما عرفت صحته. وآمن بالقرآن كتابًا مهيمنًا وخاتمًا، واتبع الرسول ﷺ وشريعته، ولا تكتفِ بمعرفة علامات الحق من غير تصديق وانقياد. واحذر أن تستخدم الوحي حجةً على غيرك ثم تترك حكمه حين يتوجه إليك؛ فالعلم الذي لا يقود إلى الامتثال يزيد المسؤولية. وبادر إلى التوبة من الجحود والعناد؛ فإن الإصرار على الكفر بعد المعرفة سبب للطرد من رحمة الله.

2|90|بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا۟ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۖ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍۢ ۚ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ

لا تَبِع نفسك للكفر أو المعصية حسدًا لمن خصّه الله بفضل؛ فقد كفر أولئك من بني إسرائيل بما أنزل الله ظُلماً لأن النبوة الخاتمة نزلت على محمد ﷺ من غير بني إسرائيل، فكأنهم استبدلوا نجاة أنفسهم بالهلاك. فارضَ بقسمة الله، واشكره على ما أعطاك، واسأله من فضله، ولا تعترض على اختياره لعباده أو تتمنى زوال نعمتهم. وإذا ظهر الحق على يد من يخالف نسبك أو جماعتك أو ينافس مكانتك، فاقبله واتّبعه، ولا تجعل الحسد يدفعك إلى إنكاره أو تشويه صاحبه. وعالج الغيرة بمحاسبة القلب والدعاء للمُنعم عليه، ولا تحوّلها إلى ظلمٍ أو صدٍّ عن الحق. واحذر تراكم الذنوب؛ فالكفر السابق ثم الجحود الجديد جلب غضبًا فوق غضب، والإصرار بعد المعرفة أشد جرمًا. وتب سريعًا من البغي والكبر؛ فالعذاب المهين لمن رفض الحق استعلاءً بعدما تبيّن له.

2|91|وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا۟ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُوا۟ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقًۭا لِّمَا مَعَهُمْ ۗ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنۢبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

آمن بكل ما أنزل الله، ولا تجعل القومية أو الموروث أو هوى الجماعة معيارًا لقبول الوحي؛ فقد زعم فريق من بني إسرائيل أنهم يؤمنون بما أُنزل عليهم، ثم كفروا بالقرآن مع أنه الحق المصدّق لما بقي صحيحًا في كتبهم بعد تحريفها، فآمن بالقرآن كتابًا محفوظًا منزلًا من عند الله، خاتمَ كتبه ومهيمنًا على ما سبقه من الكتب، وبمحمد ﷺ رسولًا إلى الناس كافة وخاتمًا للنبيين والمرسلين، ولا تحتج بإيمانك بكتاب سابق لتردّ ما نسخه الله، أو ترفض ما أوجب عليك الإيمان به واتباعه في القرآن والشريعة الخاتمة. واختبر صدق دعواك بالأعمال؛ فلو كان أولئك مؤمنين حقًّا بالتوراة لما قتل أسلافهم أنبياء الله الذين أمرتهم بطاعتهم، ثم رضي اللاحقون بفعلهم وساروا على طريق التكذيب. فلا تمدح انتسابك إلى الحق بينما تخالف أحكامه، ولا تدافع عن باطل جماعتك لمجرد أنه موروث. اقبل الدليل ولو أبطل معتقدًا ألفته، وتبرأ من ظلم السابقين بدل تبريره، واجعل إيمانك تصديقًا شاملًا وانقيادًا عمليًّا لا دعوى ينتقي بها الهوى ما يشاء.

2|92|۞ وَلَقَدْ جَآءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَنتُمْ ظَـٰلِمُونَ

اثبت على توحيد الله بعد قيام البينات، ولا تجعل غياب الفهم أو المعلّم أو تأخر ما تنتظره بابًا للرجوع إلى الشرك والضلال؛ فقد جاء موسى عليه السلام بني إسرائيل بالآيات الواضحات الدالة على صدقه ووحدانية الله، ثم كفروا وعبدوا العجل من بعد ذهابه لميقات ربه، فظلموا أنفسهم بصرف العبادة إلى مخلوق لا يملك لهم نفعًا ولا ضرًّا. فلا تجعل في قلبك لمخلوقٍ ما لا يكون إلا لله، سواء كان صنمًا أو شخصًا أو مالًا أو جاهًا أو قوة؛ فلا تدعُ غير الله، ولا تذبح أو تنذر إلا له، ولا تجعل خوفك أو رجاءك أو اعتمادك عبادةً تتوجه بها إلى سواه. وتمسّك بالحق بعد أن تبيّن لك، ولا تسمح لضغط جماعةٍ، أو إغراء منصبٍ، أو بريق المظاهر، أن يطمس يقينك أو يردّك إلى باطلٍ عرفت فسادَه. وإذا زللت، فاعترف بظلمك، واقطع سبب الشرك والمعصية، وتب إلى الله ولا تبرر انحرافك بغياب من يرشدك؛ فالحجة التي ثبتت لا تزول بتغير الظروف، ومسؤولية الثبات عليك.

2|93|وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍۢ وَٱسْمَعُوا۟ ۖ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا۟ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ۚ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِۦٓ إِيمَـٰنُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

خُذ وحي الله بعزمٍ يثمر فهمًا وطاعة، ولا تجعل سماعك للحق ألفاظًا يعقبها الرفض؛ فقد أُخذ الميثاق على بني إسرائيل، ورُفع فوقهم الطور تخويفًا لهم وإلزامًا بأخذ ما آتاهم الله بقوة، فقابل فريقٌ منهم الأمر بحالٍ معناها: سمعنا وعصينا. فاسمع بقصد الامتثال، ونفّذ ما ثبت من أمر الله، ولا تؤخر الطاعة حتى يوافق الحكم هواك؛ بل اجعل هواك تابعًا لحكم الله لا متبوعًا يُحرَّف الحكم لأجله. وطهّر قلبك من التعلق بباطلٍ أحببته؛ فقد تغلغل حب العجل في قلوبهم بسبب كفرهم، حتى غلب أثره ما شاهدوه من البينات. فلا تسمِّ الانتساب أو المعرفة إيمانًا إذا قادا إلى المعصية؛ فالإيمان الصحيح لا يأمر بالشرك ولا يبرر مخالفة الوحي، بل يحمل على التعظيم والانقياد. وراقب ما يستولي على قلبك من حبٍّ وتعظيم، واقطعه إن صرفك عن الله، واسأله قلبًا يسمع ويطيع ويثبت على عهده.

2|94|قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلْـَٔاخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةًۭ مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُا۟ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ

لا تدّعِ أن الجنة خالصة لك أو لجماعتك لمجرد نسبٍ أو اسمٍ أو انتماء؛ فصدق الرجاء يُعرف بالإيمان الصحيح والعمل والاستعداد للقاء الله، لا بالأماني والاحتكار. وقد تحدّى الله من زعموا اختصاصهم بالدار الآخرة أن يتمنوا الموت إن كانوا صادقين، كشفًا لتناقض دعواهم مع خوفهم من الحساب، لا أمرًا للمؤمن أن يطلب الموت. فحاسب نفسك: هل أعمالك توافق ما تدّعيه من محبة الله واليقين بوعده، أم أن لسانك يزكيك بينما قلبك وعملك يخالفان الحق؟ أصلح ما بينك وبين الله، وتب من الذنوب، وأدِّ الحقوق، واستعد للموت من غير استعجالٍ له أو تمنٍّ بسبب ضرر؛ فالعمر فرصة لزيادة الخير وتصحيح التقصير. ولا تحكم لنفسك أو لغيرك بالجنة بلا دليل، بل ارجُ رحمة الله، وخف من عدله، واسأله حسن الخاتمة.

2|95|وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًۢا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلظَّـٰلِمِينَ

لا تجعل خوفك من الموت نتيجةَ ذنوبٍ تصرّ عليها ولا تريد إصلاحها كما فعل الكافرون من بني إسرائيل؛ فقد أخبر الله أن أولئك لن يتمنوه أبدًا بسبب ما قدّمت أيديهم من كفرٍ وظلمٍ ومعاصٍ يعلمون سوء عاقبتها. فاستعد للقاء الله بتوبةٍ صادقة: اترك الذنب، واندم عليه، واعزم على عدم العودة، وردّ المظالم إلى أهلها، وأصلح ما أفسدت ما استطعت. ولا تخدع نفسك بدعوى صلاحٍ يناقضها عملك، ولا تؤجل المراجعة حتى يفاجئك الأجل؛ فالموت لا يمنح وقتًا جديدًا لتصحيح ما فرّطت فيه. ومع ذلك، لا تتمنَّ الموت فرارًا من ضرر، بل سل الله العافية وحسن العمل وحسن الخاتمة. وراقب ظلمك للناس في المال والقول والحقوق؛ فالله عليم بالظالمين، لا يخفى عليه ما أعلنوه ولا ما سترته أيديهم وقلوبهم.

2|96|وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٍۢ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ ۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍۢ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِۦ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ۗ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ

لا تجعل طول العمر غايتك إذا كان يُستنفد في الغفلة والمعصية؛ فقد كشفت الآية حرص فريقٍ من بني إسرائيل على مجرد البقاء، حتى ودّ أحدهم لو يُعمَّر ألف سنة، ظنًّا أن امتداد الأجل يؤخر عنه المصير، مع أن العمر مهما طال لا يزحزح صاحبه عن العذاب إذا مات على الكفر. وهذا التحذير باقٍ لكل إنسان يجعل الحياة مقصدًا بذاتها، أو يجمع الدنيا، أو يؤخر التوبة اعتمادًا على طول الأمل. فاطلب من الله عمرًا مباركًا يزداد فيه إيمانك وطاعتك، واغتنم يومك في الصلاة والذكر والعمل الصالح وردّ الحقوق وإصلاح ما أفسدت، ولا تقل: سأتغير لاحقًا؛ فكل يوم يمضي حجة لك أو عليك. ولا تظن أن الصحة أو المال أو طول الأجل يحميك من الحساب؛ فالنجاة برحمة الله والإيمان والعمل الذي يرضيه، لا بعدد السنين. وراجع مقصدك من الحياة: أهو الاستعداد للقاء الله أم الهروب منه؟ فالله بصير بما تعمل وكيف تنفق عمرك.

2|97|قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّۭا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًۭى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ

لا ترفض وحي الله بسبب عداوتك لمن حمله أو لأن رسالته خالفت هواك؛ فقد عادى فريقٌ من بني إسرائيل جبريل عليه السلام، فردّ الله عليهم بأن جبريل لم ينزل القرآن من عند نفسه، وإنما نزّله على قلب محمد ﷺ بإذن الله. فأحبَّ جبريل ووقّره أمينًا على الوحي، ولا تنسب إليه استقلالًا عن أمر الله؛ فالمُنزل والآمر هو الله وحده. وآمن بالقرآن حقًّا مصدقًا لما بقي صحيحًا من الكتب السابقة، ومهيمنًا عليها، واجعله مرجعك في الاعتقاد والعبادة والسلوك. ولا تكتفِ بتلاوته بلسانك؛ افتح له قلبك، وتدبر معانيه، ونفّذ أوامره، واترك نواهيه. وهذا التوجيه لكل إنسان في كل زمان: لا تجعل خصومتك لشخصٍ أو جماعة سببًا لرد حقٍّ ثبت من عند الله. وتمسّك بالقرآن هدىً يقودك، وبشرى تُثبّت قلبك ما دمت مؤمنًا عاملًا به.

2|98|مَن كَانَ عَدُوًّۭا لِّلَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَىٰلَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّۭ لِّلْكَـٰفِرِينَ

أخلِص عبادتك وولاءك لله وحده، وآمن بملائكته ورسله جميعًا، وأحبّهم ووقّرهم كما أمرك الله، ولا تعادِ أحدًا منهم أو ترفض ما بلّغه عن ربه. فقد عادى فريقٌ من بني إسرائيل جبريل عليه السلام، فبيّن الله أن عداوته أو عداوة ميكائيل ليست موقفًا منفصلًا، بل عداوةٌ لله الذي اصطفاهما وأمرهما؛ فكل من يبغض ملكًا أو رسولًا لأن الحق الذي جاء به يخالف هواه يدخل في هذا الوعيد. ولا تجعل تعصبك لنسبٍ أو جماعةٍ أو موروثٍ سببًا للطعن في أمناء الوحي، ولا تُؤمن ببعض الرسل وتكفر ببعض، وإن كان الله قد فضّل بعضهم على بعض في المنزلة. واعلم أن من أصرّ على معاداة الله وملائكته ورسله فقد عرّض نفسه لعداوة الله وعقوبته؛ فتب من الجحود، وجدّد ولاءك للحق، واتبع القرآن ومحمدًا ﷺ.

2|99|وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ءَايَـٰتٍۭ بَيِّنَـٰتٍۢ ۖ وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلَّا ٱلْفَـٰسِقُونَ

تلقَّ القرآن يقينًا بأنه آياتٌ بيّنات أنزلها الله على محمد ﷺ، واضحةٌ في إثبات الحق وهداية من يطلبه بصدق؛ فاقرأه بتدبر، وافهم مراد الله منه، ونفّذ أوامره، واترك نواهيه، واسأل أهل العلم الموثوقين عمّا أشكل عليك. ولا تجعل الكبر أو الهوى أو المصلحة أو التعصب للموروث عذرًا لردّ حكمٍ ثبت لك من الوحي. فقد واجهت الآية فريقًا من بني إسرائيل ظهرت لهم دلائل صدق الرسول ﷺ ثم كفروا بها لخروجهم المتعمد عن طاعة الله، والتحذير يشمل كل إنسان يعرف الحق ثم يجحده أو يعانده. ولا تُنزّل هذا الحكم على كل مسلمٍ عصى؛ فالفسق هنا فسقُ الكفر بالآيات، لا مجرد الوقوع في ذنبٍ مع الإقرار بها. فاحذر الإصرار على رفض الحق حتى يفسد قلبك، وبادر إلى التوبة والانقياد، واسأل الله بصيرةً تعرف الهدى وقلبًا يقبله وعملًا يصدّقه.

2|100|أَوَكُلَّمَا عَـٰهَدُوا۟ عَهْدًۭا نَّبَذَهُۥ فَرِيقٌۭ مِّنْهُم ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

أوفِ بعهدك مع الله وبمواثيقك مع الناس، ولا تنبذ التزامًا ثابتًا كلما خالف هواك أو زالت مصلحتك؛ فقد كان فريقٌ من بني إسرائيل كلما عاهدوا عهدًا طرحوه وراء ظهورهم، مع علمهم بما ألزموا به، وكشف تكرار النقض أن أكثرهم لم يصدقوا بالله ووحيه تصديقًا يحملهم على الوفاء. فلا تعد بما لا تنوي إنجازه، ولا توقّع عقدًا أو تقطع ميثاقًا ثم تبحث عن حيلةٍ للتحلل منه، ولا تجعل خيانة الآخرين مبررًا لخِيانتك. وثّق التزاماتك، وافهم شروطها، ونفّذها في وقتها، وإن عجزت فصارح صاحب الحق واطلب منه الإمهال أو الإقالة بدل المراوغة. وهذا التحذير يصيب كل من يجعل العهد كلامًا مؤقتًا تحكمه المنفعة؛ فالإيمان الصادق يظهر في حفظ المواثيق، ونقضها المتكرر يكشف خللًا خطيرًا في تعظيم أمر الله.

2|101|وَلَمَّا جَآءَهُمْ رَسُولٌۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌۭ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌۭ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

آمن بمحمد ﷺ رسولًا من عند الله، واتبع القرآن الذي جاء مصدقًا لما بقي من الحق في الكتب السابقة ومهيمنًا عليها، ولا تجعل معرفتك بالوحي دعوى لا يصدّقها العمل. فقد جاء فريقًا من اليهود رسولُ الله ﷺ موافقًا لما في التوراة من الدلالة على صدقه، فنبذوا التوراة وراء ظهورهم حين خالفت شهادتُها أهواءهم، وتصرفوا كأنهم لا يعلمون ما فيها. فلا تستشهد بالنص حين يؤيد مصلحتك ثم تتجاهله حين يلزمك بما تكره، ولا تكتم دليلًا أو تحرّفه دفاعًا عن موروثٍ أو مكانة. اعرض اعتقادك وقراراتك على القرآن وصحيح السنة، واتبع الحق متى ظهر ولو أبطل رأيًا ألِفتَه؛ فالعلم أمانة، وطرحه عمدًا خيانة، والإيمان الصادق يحوّل المعرفة إلى تصديقٍ وانقيادٍ وعمل.

2|102|وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتْلُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُوا۟ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌۭ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ ۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا۟ لَمَنِ ٱشْتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍۢ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ

انبذ السحر وكل طريقٍ يوصل إليه، ولا تنسبه إلى سليمان عليه السلام؛ فقد برّأه الله من الكفر، وبيّن أن الشياطين هم الذين كفروا بتعليم الناس السحر، وأن فريقًا من اليهود اتبع ما نشرته الشياطين في مُلكه. فلا تتعلم طلاسم أو تعاويذ أو ممارسات تزعم تسخير الجن أو كشف الغيب أو التأثير الخفي في الناس، ولا تذهب إلى ساحر أو تصدقه أو تدفع له مالًا. وكان هاروت وماروت فتنةً في بابل، فلا يعلّمان أحدًا حتى يحذّراه قائلين: لا تكفر؛ فمعرفة الفتنة للاختبار ليست إذنًا بممارستها. واحفظ بيتك من كل وسيلة تفسد المودة أو تفرّق بين الزوجين، واعلم أن السحر لا يضر أحدًا استقلالًا عن مشيئة الله، بل لا يقع شيء إلا بإذنه الكوني. فلا تخف الساحر خوفًا تعبديًّا، وخذ بالأسباب المشروعة، وتحصّن بالقرآن والأذكار والرقية الثابتة. ولا تستبدل آخرتك بعلمٍ يضر ولا ينفع؛ فمن آثر السحر على الإيمان خسر نصيبه عند الله.

2|103|وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَمَثُوبَةٌۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ ۖ لَّوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ

اختر الإيمان والتقوى بدل السحر والمعصية؛ فقد بيّن الله أن أولئك الذين اتبعوا ما نشرته الشياطين، لو آمنوا حقًّا واتقوا الله بترك السحر والكفر والعدوان، لنالوا ثوابًا من عنده خيرًا من كل منفعة توهّموها فيما تعلّموه. فلا تستبدل رضا الله بمكسبٍ عاجل، ولا تطلب نفعًا بطريقٍ حرّمه؛ فما عند الله أبقى وأطهر وأعظم عاقبة. جدّد إيمانك بالتوحيد والوحي، واجعل تقواك خشيةً لله تحملك على طاعته وترك ما يسخطه، واقطع كل صلة بالسحرة والطلاسم والتنجيم وادعاء الغيب. وإذا فاتتك مصلحة لأنك تمسكت بالحلال، فلا تندم؛ فالثواب الذي يدخره الله خير مما تركت. وهذا الميزان لكل إنسان: العلم الحقيقي يقود إلى اختيار الباقي على الفاني، أما من عرف ثم آثر الضرر المحرّم فقد جهل قيمة ما عند الله.

2|104|يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

طهّر لسانك من كل لفظٍ يحتمل انتقاصًا أو سخرية، واختر في خطاب النبي ﷺ والدين والناس العبارة الأوضح والأكرم؛ فقد نهى الله المؤمنين عن قول ﴿رَاعِنَا﴾ لأن فريقًا من اليهود كانوا يلوون بها ألسنتهم ويقصدون سبَّ الرسول ﷺ، وأمرهم أن يقولوا ﴿انظُرْنَا﴾، وهي تؤدي المعنى بلا بابٍ للإساءة. فلا تتشبث بكلمةٍ مباحة في أصلها إذا أصبحت وسيلةً للطعن أو سوء الفهم، واستبدل بها لفظًا يحفظ الحق والكرامة. ووقّر النبي ﷺ في حديثك وكتابك ومزاحك، ولا تسمح لأحد أن يتستر بالتورية ليهينه. وأصغِ إلى الوحي بقلبٍ حاضر يريد الفهم والطاعة؛ فحسن اللفظ لا ينفع من يرفض الحق بعد سماعه. واجعل كلامك في أسرتك وعملك وعلاقاتك صادقًا واضحًا رحيمًا، وتجنّب التلميح الجارح والازدواج اللفظي؛ فمن تعمد الكفر والاستهزاء بعد البيان فله عذاب أليم.

2|105|مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَلَا ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ

لا تجعل كراهية الكافرين من أهل الكتاب والمشركين لنزول القرآن والهداية على المسلمين تُدخل الشك في قلبك، أو تدفعك إلى إخفاء دينك والتنازل عن شيءٍ من الحق طلبًا لرضاهم؛ فالخير من الله، وهو يختص برحمته من يشاء، فقد بيّنت الآية أنهم لم يكونوا يحبون أن ينزل على المؤمنين خيرٌ من ربهم، من قرآنٍ ونبوةٍ وهدايةٍ ورحمة. فاشكر الله على نعمة الإسلام والقرآن، وتمسّك بهما، ولا تخفِها أو تتنازل عن شيءٍ منها إرضاءً لمن يحسدك عليها، وأظهر اعتزازك بالحق من غير كبرٍ أو ظلم، ولا ترضِ من يحسدك على دينك بمعصية الله. ولا تقابل الحسد بحسدٍ مثله؛ بل اسأل الله من فضله، وارضَ بقسمته، واعلم أن رحمته وفضله لا تحدّهما رغبات الناس. وإذا رأيت من يكره انتشار الحق، فاثبت على الدعوة بالحكمة، ولا تعمّم الحكم على من لم يعاند. واطلب الخير من الله بالطاعة، ولا تجعل رضا الخلق مقدّمًا على رضاه.

2|106|۞ مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍۢ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ

سلِّم لله وحده حقَّ التشريع، ولا تجعل نسخَ حكمٍ بحكمٍ آخر ذريعةً للطعن في الوحي؛ فالله ينسخ من الآيات أو الأحكام ما يشاء، أو يرفع تلاوة الآية من الحفظ بأمره حتى تُنسى، ثم يأتي بخيرٍ منها أو مثلها في المصلحة والثواب، وفق علمه الكامل وحكمته البالغة، لا عن جهلٍ أو تبدّل رأي تعالى الله عن ذلك. وقد اعترض بعض أهل الكتاب على تبدّل الأحكام، فبيّن الله أن الشرائع السابقة كانت مرحلية ولأزمنةٍ محددة، وأن شريعة محمد ﷺ هي الشريعة الخاتمة والناسخة لما قبلها والصالحة إلى نهاية الزمان ولجميع الخلق. فاقبل ما ثبت في القرآن وصحيح السنة، ولا تتمسك بحكمٍ منسوخ بعد قيام الدليل، ولا تزعم وجود تناقض قبل فهم ترتيب النزول والرجوع إلى العلماء الموثوقين. واعلم أن الوحي اكتمل بوفاة النبي ﷺ، فلا نسخ بعده ولا تشريع جديد؛ وأيقن بكمال قدرة الله؛ فهو على كل شيءٍ قدير، وتشريعه لعباده صادرٌ عن علمٍ محيط، وحكمةٍ بالغة، ورحمةٍ واسعة، يحقّق بها هدايتهم ومصالحهم في الدنيا والآخرة.

2|107|أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا نَصِيرٍ

أيقن أن الله وحده مالك السماوات والأرض، يتصرف في خلقه ويحكم بينهم ويشرع لهم بعلمه وحكمته، فلا تعترض على أمره أو تتوهم أن أحدًا يملك مراجعة حكمه أو منعه. اجعل ولاء قلبك واعتمادك ورجاءك وخوفك لله، ولا تتخذ مخلوقًا وليًّا تتعلق به من دونه، ولا تطلب النصر ممن لا يملك الضر أو النفع لنفسه؛ فلا أحد يحميك من قضاء الله أو يدفع عنك عقوبته إذا عصيته. وخذ بالأسباب المشروعة، واستعن بالناس فيما يقدرون عليه، لكن أبقِ قلبك معتمدًا على الله وحده؛ فهو الذي يهيئ الأسباب ويمنحها أثرها وبيده نتائجها. وإذا ضاقت بك الأمور، فالجأ إليه بالدعاء والطاعة والتوبة، ولا تبع دينك طلبًا لحمايةٍ أو نفوذ؛ فمن كان الله وليَّه كفاه، ومن خذله فلن يجد من دونه وليًّا ولا نصيرًا.

2|108|أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْـَٔلُوا۟ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ ۗ وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلْإِيمَـٰنِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ

اسأل عن دينك لتفهم الحق وتعمل به، لا لتماري أو تتعنّت أو تجعل السؤال وسيلةً للاعتراض على الوحي؛ فقد حذّر الله المؤمنين في حياة النبي ﷺ من أن يسألوه كما سأل بنو إسرائيل موسى عليه السلام مطالب لا يقصدون بها الهداية أو الامتثال. وبعد وفاته ﷺ، فاطلب هديه من القرآن وصحيح سنته، وإذا أشكل عليك حكم فاسأل عالمًا معروفًا بالعلم والأمانة، بقلبٍ مستعد لقبول الدليل، ثم بادر إلى العمل بما تبيّن لك. ولا تكثر الجدل هربًا من التكليف، ولا تجعل قبول الحق مشروطًا بما يقترحه هواك. وحاسب نفسك: أتسأل لتتعلم وتطيع، أم تبحث عن شبهة تؤخر بها الامتثال؟ واحذر أن تستبدل يقين الإيمان بالشك، أو الطاعة بالاعتراض؛ فمن اختار الكفر بدل الإيمان فقد ضل الطريق المستقيم. واسأل الله علمًا نافعًا وقلبًا منقادًا وثباتًا على الإيمان.

2|109|وَدَّ كَثِيرٌۭ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعْدِ إِيمَـٰنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًۭا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ ۖ فَٱعْفُوا۟ وَٱصْفَحُوا۟ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

ثبّت إيمانك بالعلم والعمل، ولا تسمح لحسدٍ أو ضغطٍ أو تشكيكٍ أن يردّك عن الإسلام بعد أن هداك الله إليه؛ فقد تمنّى كثيرٌ من أهل الكتاب، أن يعيدوا المؤمنين إلى الكفر حسدًا من عند أنفسهم بعد أن تبيّن لهم أن الإسلام هو الحق. فلا تغترّ بكل ناصحٍ مزعوم، وميّز بالحجة بين السؤال الصادق ومحاولة زعزعة يقينك، ولا تتنازل عن عقيدتك طلبًا للقبول. ومع ذلك، لا تقابل الحسد بالحسد ولا الإساءة بالظلم؛ فقد أُمر المؤمنون حينئذٍ بالعفو والصفح حتى يأتي الله بأمره، فاضبط غضبك، وتجاوز عن الأذى الشخصي حيث يكون العفو أصلح، مع حفظ دينك وحقوقك واتخاذ الأسباب المشروعة لدفع الضرر. ولا تعمّم ذمَّ المعاندين على كل أهل الكتاب؛ فالآية قيّدته بكثيرٍ منهم. واستمدّ ثباتك من الله؛ فهو قادر على حماية دينه وإبطال كيد من يعاديه.

2|110|وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍۢ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ

أقِم الصلاة في أوقاتها مستوفيةً أركانها وخشوعها، واجعل أثرها ظاهرًا في صدقك وأخلاقك وتركك للظلم؛ ولا تؤدِّها عادةً بلا حضور قلب أو التزام. وأخرج الزكاة كاملةً إلى مستحقيها عند وجوبها، ولا تؤخرها أو تنقصها أو تمنّ بها؛ فالمال عطيةٌ من الله وأمانة، وتطهيره بالزكاة خيرٌ لك من إمساكه. وبادر إلى كل خيرٍ تقدر عليه من صدقةٍ وصلةٍ وعلمٍ نافعٍ وإعانةٍ وعدل، ولا تحتقر عملًا صالحًا أو تؤجله؛ فما تقدمه في دنياك هو في الحقيقة ذخيرةٌ لنفسك، وستجده محفوظًا عند الله أوفى وأبقى مما تركته خلفك. ولا تجعل إحسانك طلبًا للمدح أو السمعة، بل أخلصه لله؛ فهو بصير بعملك ونيتك، لا يضيع عنده خيرٌ خفي، ولا يخفى عليه تقصيرٌ أو رياء.

2|111|وَقَالُوا۟ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا۟ بُرْهَـٰنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ

لا تظن أن مجرد الانتساب إلى جماعةٍ أو مذهبٍ أو تاريخٍ ديني يضمن لك دخول الجنة؛ فقد زعم اليهود أنها لا يدخلها إلا من كان يهوديًّا، وزعم النصارى أنها لا يدخلها إلا من كان نصرانيًّا، فسمّى الله دعاواهم أمانيَّ بلا برهان. والطريق الحق إلى الجنة بعد بعثة محمد ﷺ هو الإيمان الكامل بالإسلام، وتصديق القرآن، واتباع الرسول ﷺ، والعمل الصالح بإخلاص؛ مع اليقين بأن دخول الجنة برحمة الله وفضله، وأن الإيمان والعمل أسبابٌ شرعها للنجاة. فلا تحتكر رحمة الله لقومك، ولا تحكم لنفسك أو لغيرك بالجنة لمجرد الاسم أو النسب، ولا تنسب إلى الله حكمًا بلا دليل. واطلب البرهان في كل دعوى عقدية، واعرض موروثك على القرآن وصحيح السنة، واقبل الحق ولو خالف ما ألفته؛ فصدق الدعوى يثبته الوحي والعمل، لا الأماني. وصدق الدعوى يظهر بدليلها، لا بشدة التمسك بها. واحذر الأماني التي تمنحك أمانًا زائفًا من الحساب وتُغنيك عن الإيمان الصحيح والطاعة والتوبة.

2|112|بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌۭ فَلَهُۥٓ أَجْرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

أخلِص نفسك كلَّها لله، وانقد له بالتوحيد والطاعة، ولا تجعل إسلامك اسمًا موروثًا أو دعوىً بلا استسلامٍ حقيقي؛ فبعد بعثة محمد ﷺ لا يكون إسلام الوجه لله إلا بالإيمان الكامل بالإسلام، وتصديق القرآن، واتباع الرسول ﷺ. وأحسن عملك بأن تجمع فيه إخلاص القصد لله وموافقة شريعته؛ فلا يكفي حسن النية مع مخالفة الوحي، ولا صحة الظاهر مع طلب مدح الناس. أقم الفرائض، واترك المحرمات، وأدِّ الحقوق، وعامل الخلق بالعدل والإحسان، وبادر إلى إصلاح تقصيرك بالتوبة. ولا تعتمد على نسبٍ أو لقبٍ ديني، بل أثبت صدق إيمانك بالانقياد والعمل الصالح. فمن حقق الإسلام والإحسان فثوابه محفوظ عند ربه، يناله بفضل الله ورحمته؛ ويؤمّنه الله يوم القيامة من الخوف مما يستقبله، ومن الحزن على ما فاته، فاسأله الثبات حتى تلقاه مسلمًا محسنًا.

2|113|وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ عَلَىٰ شَىْءٍۢ وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَىْءٍۢ وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَـٰبَ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۚ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ

لا تجعل الخصومة الدينية تدفعك إلى إنكار كل حقٍّ عند المخالف أو إصدار أحكامٍ مطلقة بلا علم؛ فقد قالت اليهود إن النصارى ليسوا على شيء، وقالت النصارى مثل ذلك في اليهود، مع أنهم يقرؤون كتبًا منزلةً في أصلها تتضمن ما كان ينبغي أن يمنعهم من الجحود والتعصب. ثم ردّد الجاهلون من المشركين دعاوى الإبطال نفسها من غير وحيٍ أو برهان. فزِن الأقوال بالقرآن وصحيح السنة، واقبل الحق ممن قاله، وارفض الباطل بدليله، ولا تجعل الانتماء أو الكراهية بديلًا عن الحجة. وبعد بعثة محمد ﷺ، آمن بأن الإسلام هو الدين الحق الوحيد المقبول عند الله، وأن القرآن مهيمن على كُل ما سبقه من كتب سماوية وشرائع، وادعُ إليه بعدلٍ وحكمة من غير افتراءٍ على المخالفين. ولا تتولَّ الفصل النهائي في السرائر والمصائر؛ فالله يحكم يوم القيامة بين المختلفين بعلمه وعدله، ويظهر الحق الذي جحدوه.

2|114|وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُۥ وَسَعَىٰ فِى خَرَابِهَآ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَ ۚ لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌۭ وَلَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ

عظّم مساجد الله، وأَعِن على فتحها وعمارتها بالصلاة والذكر والعلم النافع وخدمة المصلين، ولا تمنع أحدًا من عبادة الله فيها بغير حق، ولا تُخِف روادها أو تعطل شعائرها أو تسهم في هدمها وإهمالها؛ فالسعي في خراب المسجد يشمل تخريب بنائه، ومنع رسالته، وصدّ الناس عن ذكر الله فيه. ولا تجعل الخصومة أو السلطة أو التعصب ذريعةً للاستيلاء على بيوت الله أو تحويلها عن غايتها؛ فهي لله، لا لأهواء الأفراد والجماعات. وإذا كانت لك مسؤولية عنها، فاحفظ أمنها ونظافتها وحرمتها، ويسّر الصلاة فيها وفق الشرع، وامنع الاعتداء دون ظلم. واعلم أن من يصد عن المساجد ويسعى في خرابها من أشد الناس ظلمًا، وقد توعّده الله بالخزي في الدنيا والعذاب العظيم في الآخرة؛ فلا تشارك في هذا الظلم بقرار أو مال أو صمتٍ يعين عليه.

2|115|وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا۟ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِيمٌۭ

استقبل الجهة التي أمرك الله بها في الصلاة، ولا تجعل قداسة المكان أو الاتجاه مستقلةً عن أمره؛ فالمشرق والمغرب وما بينهما ملكٌ لله، وهو الذي يحدد لعباده قبلتهم ويقبل طاعتهم حيث شرعها. فإذا عجزت عن معرفة القبلة بعد بذل وسعك، أو عرضت حالٌ أذن الشرع فيها بالصلاة إلى غيرها، فتوجّه بحسب استطاعتك ولا تترك الصلاة؛ فأينما تتوجه بأمر الله فثم الجهة التي رضيها لك، وهو محيطٌ بك علمًا. ولا تفهم الآية على أن الله محصورٌ في مكان أو حالٌّ في جهة؛ تعالى عن ذلك، بل له ما في السماوات والأرض، وهو فوق خلقه كما يليق بجلاله. فلا تربط قربك من الله بموقعٍ جغرافي؛ وإنما بقرب القلب والروح منه بالإيمان والإخلاص والمحبة والخشية وصدق اللجوء والتوسل المشروع، ثم يظهر أثره على الجسد في الصلاة والطاعة والعمل الصالح وترك المعصية. فالله واسع الرحمة والفضل، عليمٌ بنيتك واجتهادك وظروفك.

2|116|وَقَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًۭا ۗ سُبْحَـٰنَهُۥ ۖ بَل لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ كُلٌّۭ لَّهُۥ قَـٰنِتُونَ

نزِّه الله تنزيهًا كاملًا عن الولد والشريك والحاجة والمماثلة؛ فقد قالت طائفةٌ من اليهود: عزيرٌ ابن الله، وقال النصارى: المسيح ابن الله، وزعم المشركون أن الملائكة بنات الله، فردّ سبحانه هذه الافتراءات وأثبت أن جميع من في السماوات والأرض خلقه وملكه وعبيده. فآمن بأن الله واحدٌ أحد، لم يلد ولم يولد، وأن عيسى وعزيرًا والملائكة وسائر المخلوقات لا يملكون شيئًا من خصائص الألوهية. فلا تدعُ مخلوقًا من دون الله، ولا تصرف له ذبحًا أو نذرًا أو رجاءً وخوفًا تعبديَّين، ولا تقبل قولًا يصف الله بما يناقض كماله. وتعلّم أسماءه وصفاته من القرآن وصحيح السنة، من غير تحريفٍ أو تشبيه. واخضع لله بقلبك وروحك وجوارحك إيمانًا ومحبةً وطاعة؛ فالخلق جميعًا منقادون لملكه وقضائه، والسعيد من اختار القنوت له طوعًا قبل أن يلقاه؛ فأطاع أمره بمحبةٍ وتسليم بالخضوع لقضائه الذي لا يخرج عنه مخلوق، حتى يلقاه مؤمنًا منقادًا قد قدّم لنفسه ما ينجيه.

2|117|بَدِيعُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًۭا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ

عظِّم الله في قلبك، وأيقن أنه أبدع السماوات والأرض على غير مثالٍ سابق، فلا تقِس قدرته بقدرة المخلوق، ولا تستبعد ما أخبر به من بعثٍ أو حسابٍ أو نصرٍ لأنك لا ترى أسبابه؛ فمن أنشأ الخلق أول مرة قادرٌ على إعادتهم وعلى كل شيء. وإذا قضى أمرًا نفذت مشيئته، وإنما يقول له: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾، فلا يحتاج إلى ولدٍ أو شريكٍ أو معين أو صاحبة، تعالى الله عن كل ذلك، ولا يعجزه فقد الوسائل التي يحتاج إليها البشر. فالجأ إليه في حاجاتك، وادعه بيقين، وخذ بالأسباب المشروعة بجدٍّ وإتقان، من غير أن تتوكل عليها أو تظن أنها تُنشئ النتائج استقلالًا عن الله؛ فالله خالق الأسباب وآثارها ونتائجها بيده. وإذا تأخر ما طلبت أو جاء خلاف مرادك، فلا تعترض على قضائه، بل راجع عملك، واستمر في الطاعة، وسلّمه أمرك؛ فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، واعلم أن قضاءه كلَّه قائمٌ على العلم والحكمة والعدل، وأن ما يقدّره للمؤمن يكون خيرًا له إذا صبر عند البلاء وشكر عند النعمة؛ وقد تنكشف لك حكمته عاجلًا، وقد تدركها آجلًا، وقد تخفى عنك، فسلِّم له مع دوام حسن الظن به.

2|118|وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ ءَايَةٌۭ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَـٰبَهَتْ قُلُوبُهُمْ ۗ قَدْ بَيَّنَّا ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍۢ يُوقِنُونَ

لا تجعل إيمانك مشروطًا بأن يخاطبك الله مباشرةً أو تأتيك معجزةٌ تقترحها؛ فقد طالب مشركو العرب بذلك جهلًا وعنادًا، كما قال من قبلهم من الأمم مثل قولهم، فتشابهت قلوبهم في الاستكبار ورفض البراهين القائمة. انظر في الآيات التي بيّنها الله في القرآن، وفي دلائل صدق محمد ﷺ، وآيات الخلق والنفس والتاريخ، واطلب الحق بقلبٍ منصفٍ يريد اليقين والعمل، لا بعقلٍ يختلق شرطًا جديدًا كلما ظهر له الدليل. واعلم أن إيمان بشرٍ من جنسك، قامت لهم الحجج نفسها التي قامت لك، حجةٌ عليك في بطلان دعوى أن العقل أو الفطرة البشرية لا يستوعبان الحق؛ فقد صدقوا فطلبوا الهدى وآمنوا، بينما عاند آخرون الحق فكفروا به. وإذا أشكل عليك أمرٌ، فارجع إلى الوحي واسأل أهل العلم الموثوقين، ولا تجعل غياب الخارق الذي تهواه حجةً لرد ما ثبت؛ واحذر أن تقلّد اعتراضات السابقين من غير فحص؛ فالمشكلة قد تكون في القلب لا في قلة الأدلة. فالآيات واضحة لمن يطلب اليقين بصدق، أما المعاند فلا تنتهي أعذاره.

2|119|إِنَّآ أَرْسَلْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيرًۭا وَنَذِيرًۭا ۖ وَلَا تُسْـَٔلُ عَنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْجَحِيمِ

تلقَّ رسالة محمد ﷺ على أنها الحق من عند الله، واستبشر بوعده للمؤمنين المطيعين، واحذر وعيده للكافرين والعاصين، ولا تفصل بين الرجاء والخوف؛ فالبشارة بلا إنذار تُورث الأمن من مكر الله، والإنذار بلا بشارة يقود إلى اليأس والقنوط. واتبع القرآن وصحيح السنة، وانقل الحق كما جاء من غير تحريفٍ لإرضاء الناس، ولا تكتم حكمًا ثابتًا خشية رفضهم. وإذا دعوت غيرك، فبيّن له طريق النجاة وعاقبة الإعراض بالحكمة والرحمة، ثم لا تحمل نفسك مسؤولية قلبٍ أبى الهداية بعد قيام الحجة؛ فوظيفتك البلاغ والبيان وبذل السبب، أما خلق الإيمان في القلوب فبيد الله وحده. ولا تجزم لمعيّنٍ بأنه من أهل الجحيم بلا دليلٍ من الوحي، ولا تجعل عناد المعاند يصدك عن مواصلة الدعوة؛ أصلح نفسك، وأدِّ ما عليك، واترك الحكم النهائي لله.

2|120|وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَ ٱلَّذِى جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا نَصِيرٍ

لا تجعل رضا اليهود أو النصارى غايةً تدفعك إلى التنازل عن شيءٍ من الإسلام؛ فقد أخبر الله نبيَّه ﷺ أنهم لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم، وأعلم أن هدى الله وحده هو الهدى. فاثبت على الإسلام، واعمل بالقرآن وصحيح السنة، ولا تغيّر عقيدةً أو حكمًا ثابتًا طلبًا للقبول الاجتماعي أو المهني أو الفكري، ولا تُلبس اتباع الأهواء ثوبَ التسامح أو التحديث. وإذا تبيّن لك الحق بالعلم، فاتبعه ولو خالف رغبات الناس؛ فتركه بعد معرفته أشد خطرًا من الجهل به. ومع ذلك، اجعل ولاءك لله، وللمؤمنين، فهم إخوتك في الدين، وعامل اليهود والنصارى وسائر غير المسلمين بالعدل والإحسان، واحفظ حقوقهم وعهودهم، من غير أن تمسّ شيئًا من عقيدتك أو تتنازل عن كرامتك وثوابت دينك طلبًا لرضاهم. واحفظ العهود والحقوق، وادعُ إلى الإسلام بالحكمة من غير ظلمٍ أو عدوان. واجعل ولاء قلبك لله، واستمد ثباتك ونصرك منه؛ فمن آثر أهواء الخلق على هدى الله لم يجد من الله وليًّا يحميه ولا نصيرًا يدفع عنه.

2|121|ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَتْلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِهِۦ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ

اجعل تلاوتك للقرآن تلاوةَ فهمٍ وتصديقٍ واتباع، لا حركةَ لسانٍ تنتهي بإغلاق المصحف؛ فحقُّ تلاوته أن تقرأه كما أُنزل، وتتدبر معانيه، وتصدّق أخباره، وتُحلّ حلاله، وتحرّم حرامه، وتمتثل أوامره، وتقف عند نواهيه. وقد أثنى الله على الذين صدقوا من أهل الكتاب، فتلقّوا كتابهم بإنصافٍ واتبعوا ما فيه من دلائل نبوة محمد ﷺ، فآمنوا به وبالقرآن ولم يحملهم الهوى على الكتمان والعناد. فاحذر أن تنتقي من الوحي ما يوافق رغبتك وتعرض عما يشق عليك، أو تتخذ جمال الصوت وكثرة الختمات بديلًا عن إصلاح القلب والسلوك. خصّص لتلاوتك وقتًا ثابتًا، وتعلّم ما أشكل عليك من عالمٍ ومصدر موثوق، ثم حوّل كل ما علمته إلى امتثال. ومن كفر بالقرآن بعد قيام الحجة فقد خسر الهدى والنجاة، وإن ربح الدنيا كلّها.

2|122|يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ

اذكر نعم الله عليك اعترافًا وشكرًا واستعمالًا لها في طاعته، ولا تجعل النعمة سببًا للغرور أو دعوى الاستحقاق؛ فقد ذكّر الله بني إسرائيل بما خصّ به أسلافهم من النعم، ومنها كثرة الأنبياء والكتب والنجاة من فرعون، وفضّلهم على عالمي زمانهم فقط حين أقاموا أمره، لا تفضيلًا أبديًّا يثبت لمن عصى وكفر بعد قيام الحجة. فاحذر الاغترار بالنسب أو التاريخ أو مكانة الآباء؛ فالكرامة عند الله بالإيمان والتقوى والوفاء بالعهد، لا بالانتساب وحده. عدِّد نعم الله في دينك وأمنك وعلمك وصحتك ورزقك، وانسبها إليه، واشكره بلسانك وعملك، وأدِّ حقوقها في نفسك وأسرتك ومالك ومجتمعك. ولا تحتقر النعمة فتسيء استعمالها أو تنسبها إلى قوتك وحدك؛ فهي أمانةٌ مؤقتة، وبقاؤها وزيادتها بيد الله.

2|123|وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًۭا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍۢ شَيْـًۭٔا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌۭ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَـٰعَةٌۭ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ

اتقِ أهوال وعذاب يوم القيامة بإيمانٍ صادقٍ وعملٍ صالح، ولا تؤخر التوبة اعتمادًا على نسبٍ أو مالٍ أو مكانةٍ أو صلاح غيرك من أهلك؛ فكل نفسٍ تقف بين يدي الله مسؤولةً عن عملها، ولا تحمل عنها نفسٌ أخرى ذنبًا لم ترتكبه؛ أمّا من دعا إلى الضلال أو أعان عليه، فيحمل إثم ضلاله وإثم إضلال غيره، ومثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيء، لأن ذلك من عمله وكسبه. ولا تتوهّم أنك تستطيع افتداء نفسك بمالٍ أو عوض، أو أن قرابةً أو جاهًا سيخلّصانك من عدل الله؛ فلا يُقبل يومئذٍ فداء، ولا تنفع شفاعةٌ إلا إذا أذن الله للشافع أن يشفع له ورضي عن المشفوع فيه، ولا يملك أحدٌ نصرك من دون الله. فحاسب نفسك قبل الحساب، وأدِّ الفرائض، واترك المحرمات، وردَّ الحقوق إلى أهلها، وأصلح ما أفسدت، وبادر إلى توبةٍ تجمع الإقلاع والندم والعزم على عدم العودة. وأحب الصالحين وانتفع بدعائهم وقدوتهم، لكن لا تتكل على أعمالهم؛ فنجاتك برحمة الله، والإيمان والطاعة أسبابها التي أمرك بها.

2|124|۞ وَإِذِ ٱبْتَلَىٰٓ إِبْرَٰهِـۧمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَـٰتٍۢ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًۭا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِى ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى ٱلظَّـٰلِمِينَ

أتمَّ ما كلّفك الله به كما أتمّ إبراهيم عليه السلام ما ابتلاه به من أوامر ونواهٍ، واعلم أن منزلة الإمامة والقدوة في الدين لا تُنال بالتمنّي، ولا تُمنح قبل ابتلاءاتٍ عظيمةٍ يمتحن الله بها صدق الإيمان، وقوة الصبر، وكمال الوفاء، ثم يظهر فيها تمام الامتثال والثبات. فلا تطلب مقامًا قبل أن تؤدي حقه، ولا منزلةً قبل أن تنجح في تكاليفها؛ فالإمامة تكليفٌ وأمانة، لا تشريفٌ مجرد، ولا تُنال بالنسب أو الدعوى. فلا تطلب منزلة القدوة قبل أن تُثبت صدقك بالطاعة والصبر؛ اجعل عبادتك وأخلاقك ووفاءك بالعهود شاهدًا على إيمانك، وإذا ابتُليت فاثبت، ولا تنتقِ من أمر الله ما يوافق راحتك وتترك ما يشق عليك. وربِّ أبناءك على التوحيد والاستقامة، وادعُ لهم بالهداية، لكن لا تظن أن صلاح الآباء يضمن للذرية عهد الله؛ فقد سأل إبراهيم لذريته، فبيّن الله أن الظالمين لا ينالون عهده. فلا تولِّ ظالمًا قدوةً دينيةً أو مسؤوليةً عامةً ما دام مصرًّا على ظلمه، ولا تدافع عن انحراف قريبٍ أو صاحب مكانة بسبب نسبه؛ فالميزان هو الإيمان والعدل والوفاء.

2|125|وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةًۭ لِّلنَّاسِ وَأَمْنًۭا وَٱتَّخِذُوا۟ مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِـۧمَ مُصَلًّۭى ۖ وَعَهِدْنَآ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِـۧمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْعَـٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ

عظِّم البيت الحرام، واجعل قلبك مشتاقًا إلى زيارته والعودة إليه للطواف والصلاة والذكر؛ فقد جعله الله مثابةً للناس وأمنًا، فلا تؤذِ فيه إنسانًا، ولا تزاحم أو ترفع صوتك أو تنتهك حرمته بقولٍ أو فعل. وإذا تيسّر لك الحج أو العمرة، فصلِّ خلف مقام إبراهيم بعد الطواف حيث لا تضرّ بالناس، ولا تتشبث بالقرب منه على حساب سلامتهم؛ فاتّباع السُّنّة مقدَّم، ما لم يُفضِ التزاحم إلى أذى أو ضرر. فلا تُؤذِ الناس لتحصيل سُنّة؛ فإن ازدحم المقام، فصلِّ حيث تيسّر من المسجد الحرام. وأسهم في تطهير بيوت الله من الشرك والبدع والنجاسات والفوضى وكل ما يصدّ عن العبادة، كما عهد الله إلى إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام أن يطهّرا بيته للطائفين والمعتكفين والراكعين الساجدين. واخدم المصلين، واحفظ نظافة المسجد وسكينته، ولا تستعمله لمصلحةٍ شخصية أو خصومة؛ فعمارة المسجد الحقيقية تجمع طهارة المكان، وإخلاص العبادة، وحماية أمن من قصده لله.

2|126|وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا ءَامِنًۭا وَٱرْزُقْ أَهْلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلًۭا ثُمَّ أَضْطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ

ادعُ الله لبلدك بالأمن والرزق كما دعا إبراهيم عليه السلام لمكة، واعمل على حفظهما؛ فلا أمن مع ظلمٍ وفوضى، ولا بركة في رزقٍ يُطلب بالحرام أو يُحتكر عن الناس. وقدّم نعمة الأمن، فهي أساس استقامة العبادة والعمران والمعاش، ثم اسعَ في الرزق الحلال، واشكر الله عليه، وأنفق منه في الحق. ولا تظن أن سعة الدنيا دليلٌ على رضا الله؛ فقد يرزق الكافر ويمتعه زمنًا قليلًا، إمهالًا وابتلاءً لا كرامةً ولا نجاة. فلا تحسد من اتسعت دنياه مع كفره، ولا تبع آخرتك لتحصيل ما عنده؛ فمتاع الدنيا مهما طال قصير، ثم يُساق من مات على الكفر إلى عذاب النار، وبئس المصير. واجمع لنفسك بين الإيمان والشكر والعمل، واسأل الله أمنًا يعينك على طاعته، ورزقًا يقوّيك على مرضاته.

2|127|وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِـۧمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَـٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

اعمل لله بإخلاصٍ وإتقان، ولا تغترّ بعظمة ما تنجزه أو شرف ما تخدمه؛ فقد كان إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام يرفعان قواعد الكعبة، ومع جلالة العمل سألا الله القبول ولم يعتمدا على مكانتهما أو جهدهما. فاجمع في كل طاعةٍ بين صحة العمل وافتقار القلب إلى الله، وقل بعد إنجازها: ربنا تقبّل منا، ولا تمنّ بها أو تطلب ثناء الناس. وتعاون مع أهلك وشركائك على البر كما تعاون الأب وابنه، وحدّد لكلٍ مسؤوليته، وأتمّ العمل بأمانة. وراجع نيتك قبل العمل وأثناءه وبعده، وأصلح ما دخله من رياءٍ أو تقصير، واعلم أن القبول فضلٌ من الله لا يملكه العبد لنفسه؛ فهو السميع لدعائك، العليم بنيتك وصدقك وخفايا عملك.

2|128|رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةًۭ مُّسْلِمَةًۭ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ

جدِّد استسلامك لله كلَّ يوم، ولا تغترّ بإيمانك أو طاعتك؛ فقد سأل إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام ربَّهما أن يثبتهما مسلمين مخلصين له، مع علو منزلتهما. فاسأل الله الثبات وحسن الانقياد، واجعل عبادتك وقرارك وهواك تابعًا لأمره. واعتنِ بإيمان ذريتك، وعلّمهم التوحيد والقرآن والصلاة، وادعُ الله أن يجعل منهم أمةً مسلمةً له؛ فلا تملك هدايتهم، لكنك تُحسن تربيتهم وتأخذ بأسباب صلاحهم. وتعلّم عباداتك ومناسكك من القرآن وصحيح السنة، ولا تعبد الله بالجهل أو الابتداع؛ فقد سأل الخليل ربَّه أن يريه مناسكه. ولا يمنعك عملٌ صالح أو مقامٌ كريم من التوبة؛ فمهما علت منزلتك فمرجعك إلى الله. فراجع تقصيرك، وأقلع عن ذنبك، وأكثر الاستغفار، واندم، واعزم على عدم العودة، وردَّ الحقوق، وأيقن أن الله كثير القبول لتوبة عباده، رحيمٌ بهم.

2|129|رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًۭا مِّنْهُمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ

اعرف قدر نعمة بعثة محمد ﷺ؛ فقد استجاب الله به دعاء إبراهيم عليه السلام، فأرسله من ذريته وفي قومه، يتلو آيات الله، ويعلّم القرآن والسنة، ويطهّر النفوس من الشرك والجهل وسوء الأخلاق. فآمن برسالته، واتبع هديه كاملًا، ولا تكتفِ بتلاوة القرآن من غير فهمٍ وعمل، ولا تطلب علمًا يزيد معلوماتك ولا يصلح قلبك وعملك. تعلّم الكتاب، وافهم الحكمة النبوية، واجعل أثرهما ظاهرًا في عبادتك وخلقك وقراراتك ومعاملاتك. وعلّم أهلك ومن تحت مسؤوليتك برفقٍ وقدوة، واجمع في تربيتهم بين صحة الاعتقاد، والعلم النافع، والعمل الصالح، وتزكية النفس؛ فلا علم بلا سلوك، ولا تزكية صحيحة بلا وحي. واستمد من الله القوة على التعليم والإصلاح؛ فهو العزيز الذي لا يعجزه تحقيق وعده، الحكيم الذي يضع رسالته وتشريعه في موضعهما الأكمل.

2|130|وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَٰهِـۧمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُۥ ۚ وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَـٰهُ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ

الزم ملة إبراهيم عليه السلام: توحيدَ الله، وإخلاصَ العبادة له، والاستسلامَ لأمره، والبراءةَ من الشرك؛ ولا ترغب عنها إلى هوىً أو موروثٍ أو عقيدةٍ تخالف الوحي. وبعد بعثة محمد ﷺ لا يتحقق اتباع إبراهيم إلا بالإيمان بالرسول الخاتم واتباع الإسلام الذي جاء به؛ فلا يصح أن تنتسب إلى إبراهيم ثم ترفض محمدًا ﷺ أو القرآن. واعلم أن المعرض عن هذا الطريق قد أهان نفسه وأوردها السفه حين استبدل الحق البيّن بالضلال، فلا تجعل ذكاءك أو ثقافتك حجابًا عن الانقياد لله. واقتدِ بثبات إبراهيم وصدقه وتضحيته، وقدّم أمر الله على ضغط الناس ومصالحك العاجلة. فقد اصطفاه الله في الدنيا بالنبوة والإمامة والخلة، وهو في الآخرة من الصالحين؛ فاطلب الرفعة عند الله بالاستسلام التام له وطاعته، لا بالدعوى والنسب، واسأل الله أن يثبتك على التوحيد حتى تلقاه.

2|131|إِذْ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ

استجب لأمر الله فور ظهوره لك، كما قال إبراهيم عليه السلام من فوره حين أمره ربُّه بالإسلام: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ فلا تؤخر الطاعة حتى توافق هواك، ولا تجعل استسلامك جزئيًّا في العبادة دون المال والنفس والأخلاق. أسلم قلبك لله توحيدًا ومحبةً وخوفًا ورجاءً، وأسلم جوارحك بطاعته وترك معصيته، واقبل حكمه وإن خالف رغبتك أو عادتك. وبعد بعثة محمد ﷺ يكون الاستسلام لله باتباع الإسلام الذي جاء به، والإيمان بالقرآن وصحيح السنة، لا بابتداع طريقٍ آخر إلى الله. وإذا عرفت أمرًا ثابتًا، فقل بلسان حالك وعملك: سمعت وأطعت، ثم نفّذه بإخلاص. ولا تنسب قدرتك على الانقياد إلى نفسك؛ بل اسأل رب العالمين أن يهديك ويقوّيك ويثبتك، فالاستسلام الحق حياةٌ كاملة لله، لا كلمةٌ تُقال بلا امتثال.

2|132|وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَٰهِـۧمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَـٰبَنِىَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ

اجعل أعظم ما تورّثه أبناءك الثبات على دين الإسلام قولاً وعملاً وخُلقاً؛ فقد وصّى إبراهيم ويعقوب عليهما السلام أبناءهما بالدين الذي اصطفاه الله لهم، دين الإسلام، لا بالمال أو الجاه وحدهما. فعرّف أهلك بالتوحيد، وعلّمهم القرآن وصحيح السنة، وربِّهم على الصلاة والطاعة وحسن الخلق، وكن لهم قدوةً صادقة؛ ولا تكتفِ بانتساب الأسرة إلى الإسلام مع إهمال العلم والعمل. وبيّن لهم أن الإسلام هو دين الله الحق الذي بعث به جميع أنبيائه، وأن اتباعه بعد بعثة محمد ﷺ لا يكون إلا بالإيمان به واتباع شريعته الخاتمة، فلا يستبدلوه بهوىً أو ضغطٍ أو عقيدةٍ أخرى. ولا تظن أن إيمانك اليوم يضمن خاتمتك؛ فقول الله: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ أمرٌ بلزوم الإسلام طوال الحياة، لأنك لا تعلم متى تموت. فداوم على الطاعة، وجدّد التوبة، واحذر أسباب الانحراف، واسأل الله أن يثبتك وذريتك حتى تلقوه مسلمين.

2|133|أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنۢ بَعْدِى قَالُوا۟ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ ءَابَآئِكَ إِبْرَٰهِـۧمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ إِلَـٰهًۭا وَٰحِدًۭا وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ

اجعل أعظم ما تطمئن عليه في أهلك قبل موتك هو ثباتهم على توحيد الله؛ فقد شغل يعقوبَ عليه السلام عند حضور الموت ما سيعبده أبناؤه من بعده، ولم يكن أكبر همّه ما يترك لهم من مالٍ أو مكانة. فاسأل أبناءك عن عقيدتهم وعبادتهم، وعلّمهم أن الله هو إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب واحدٌ لا شريك له، وأن الإسلام هو دين جميع الأنبياء: توحيد الله والاستسلام له واتباع رسوله في كل زمان. وبعد بعثة محمد ﷺ لا يتحقق هذا الاستسلام إلا بالإيمان به واتباع شريعته الخاتمة. ولا تعتمد على صلاح آبائك أو نسبك؛ فأبناء يعقوب أعلنوا إيمانهم بأنفسهم وانقيادهم لله. اكتب وصيتك الإيمانية بوضوح، وكن قدوةً في الصلاة والطاعة، وكرّر التذكير بالتوحيد حتى يستقر في القلوب؛ فأنفس ميراثٍ تتركه ذريةٌ تعبد الله وحده وتثبت على الإسلام حتى الموت.

2|134|تِلْكَ أُمَّةٌۭ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْـَٔلُونَ عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

لا تتكئ على صلاح آبائك وأسلافك؛ فلهم ما كسبوا، ولك ما كسبت، ولا تجعل الانتساب إلى إبراهيم ويعقوب عليهما السلام بديلًا عن إيمانك وعملك؛ فتلك أمةٌ مضت، لها ثواب ما كسبت وعليها تبعة ما عملت، ولك ما كسبت أنت. فاثبت صدق انتسابك إلى دينهم بتوحيد الله والاستسلام له واتباع رسوله؛ ومن صدق في الانتساب إلى إبراهيم لزمه أن يؤمن بمحمد ﷺ ويتبع الوحي الذي جاء به. ولا تنشغل بالمفاخرة بالأنساب أو بتبرير تقصيرك بأخطاء السابقين؛ فلن تُحاسب عن ذنبٍ لم ترتكبه، ولن ينفعك عملٌ صالح لم تعمله. انتفع بسيرتهم واقتدِ بهداهم، ثم أصلح عقيدتك وعبادتك وأخلاقك، وبادر إلى التوبة وردّ الحقوق؛ فكل إنسان يلقى الله بما قدّم، والنجاة برحمته مع الإيمان والعمل الصالح، لا بالدعاوى الموروثة.

2|135|وَقَالُوا۟ كُونُوا۟ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ تَهْتَدُوا۟ ۗ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِـۧمَ حَنِيفًۭا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

لا تجعل الهداية تابعةً لاسمٍ طائفي أو انتسابٍ موروث؛ فقد دعا اليهود الناس إلى اليهودية، ودعا النصارى إلى النصرانية، وزعم كل فريقٍ أن الهدى والنجاة لا يكونان إلا باتباع ملته، فنسبوا كذباً إلى الله ما لم يشرعه، وردّ الله دعواهم بأن الطريق الوحيد الحق هو الإسلام، ملة إبراهيم عليه السلام، فعليك بتوحيد الله، وإخلاص العبادة له، والميل عن الشرك إلى الحق. فإبراهيم كان مسلمًا حنيفًا قبل ظهور هذه التسميات والانتسابات، ولم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا ولا من المشركين. فالزم الإسلام، دين الأنبياء جميعًا، ولا تزعم اتباع إبراهيم وأنت تردّ رسولًا أرسله الله؛ فمن صدق في الاقتداء به آمن بمحمد ﷺ واتبع القرآن وشريعته الخاتمة. ولا تقدّم عادات الجماعة أو أقوال الآباء، ولا ما افتراه اليهود والنصارى على الله على حكم الوحي. ولا تخلط التوحيد بعقيدةٍ أو عبادةٍ تصرف شيئًا من حق الله لغيره. واطلب الهدى من الله، واعرض اعتقادك وعملك على كتابه وسنة نبيه ﷺ، واستقم على التوحيد بلا انحرافٍ إلى شركٍ أو هوى.

2|136|قُولُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِـۧمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِىَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِىَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍۢ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ

أعلن إيمانك بالله وبكل وحيٍ أنزله، وصدّق جميع أنبيائه من إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وموسى وعيسى ومحمد ﷺ وسائر النبيين؛ فلا تؤمن ببعضهم وتكفر ببعض، ولا تجعل التعصب لقومٍ أو كتابٍ ذريعةً لردّ رسولٍ ثبت صدقه. وآمن بأن دينهم جميعًا واحدٌ هو الإسلام: توحيد الله والاستسلام له، وإن اختلفت شرائعهم باختلاف الأزمنة، ثم ختم الله الرسالات بمحمد ﷺ وأنزل عليه القرآن مهيمنًا على ما سبقه. فلا تنسب إلى الله ما حرّفه الناس في الكتب، بل صدّق ما أنزله حقًّا، واجعل القرآن وصحيح السنة ميزانك. ولا تفهم عدم التفريق على أنه إنكار تفاوت الأنبياء في الفضائل؛ بل معناه الإيمان بهم جميعًا دون استثناء، مع العلم بأن الله فضّل بعض رسله على بعض. واجعل قولك: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ التزامًا ظاهرًا في عقيدتك وعبادتك وطاعتك.

2|137|فَإِنْ ءَامَنُوا۟ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهْتَدَوا۟ ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا هُمْ فِى شِقَاقٍۢ ۖ فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

اثبت على الإيمان الكامل بالله ووحيه ورسله، ولا تنتقص منه أو تبدّله طلبًا لرضا من أعرض عنه. فادعُ اليهود والنصارى وغيرهم إلى الإيمان الذي آمن به المسلمون: توحيد الله، وتصديق جميع رسله وكتبه، والإيمان بمحمد ﷺ والقرآن؛ ولا تقبل إيمانًا ينتقي بعض الوحي ويردّ بعضه. وبيّن الحق بالحجة والعدل، ولا تسمِّ الإعراض بعد البيان اختلافًا بريئًا؛ فليس الخلاف نقصَ دليل، بل شقاقٌ ومجانبةٌ للحق عن عمد وإصرار. فلا تُضعف عقيدتك لتقريب من يصرّ على مخالفتها، فمن تولّى عن هذا الإيمان فقد اختار الشقاق ومجانبة الهدى. وخذ بالأسباب المشروعة لحماية دينك ونفسك، ولا تخف كثرة المعاندين أو تجعل ضغطهم يدفعك إلى التنازل. وفوّض كيدهم إلى الله مع الثبات والعمل، ولا تعتمد على قوتك وحدها؛ مع يقينك بأن الله يكفي عباده كيد من شاقّهم؛ ولا تعتمد على قوتك وحدها؛ بل خذ بالأسباب متوكّلًا على الله، موقنًا بأنه يكفيك كيد من شاقَّ الحق؛ فهو السميع لأقوال الجميع، العليم بصدق المؤمن وعناد المُعرض ونيات العباد وأعمالهم وما تُخفي الصدور.

2|138|صِبْغَةَ ٱللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةًۭ ۖ وَنَحْنُ لَهُۥ عَـٰبِدُونَ

اصطبغ بالإسلام ظاهرًا وباطنًا، ولا تستبدل هداية الله بشعارٍ موروث أو طقسٍ لا يغيّر القلب والعمل. فصبغة الله هي دينه وفطرته وهديه الذي يطهّر العقيدة من الشرك، ويهذّب النفس، ويصبغ العبادة والأخلاق والمعاملات بطاعته؛ فلا تجعل الإسلام اسمًا في أوراقك بينما تحكم حياتك الأهواء والعادات. اجعل القرآن وصحيح السنة ميزانَ نيتك وأقوالك وأعمالك ومالك ومعاملاتك وعلاقاتك. واترك كل اعتقادٍ أو سلوكٍ يناقض التوحيد ولو زيّنه الناس باسم الدين. ولا يخدعك مظهرُ تديّنٍ أو اسمُ جماعة؛ فصدق الإسلام يُعرف بما غيّره في قلبك وعملك؛ فلا صبغة أحسن من هداية الله، ولا إصلاح أعمق من أثرها في القلب والجوارح. وأخلص العبادة لله وحده، فلا تدعُ غيره ولا ترجو أو تخاف أحدًا خوفًا تعبديًّا، واجعل صلاتك وذكرك وعملك وتركك للمعصية شاهدًا صادقًا على قولك: نحن له عابدون.

2|139|قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِى ٱللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَآ أَعْمَـٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ وَنَحْنُ لَهُۥ مُخْلِصُونَ

أخلص عبادتك لله وحده، ولا تقبل دعوى أن فضله وهدايته حكرٌ على قومٍ أو نسب. فقد جادل اليهود والنصارى المسلمين في الله، وزعموا أنهم أولى به وبأنبيائه، فردّ الله بأن ربوبية الله تشمل الجميع، وأن القرب منه لا يُنال بالانتساب، بل بالإيمان الصادق والعمل الذي شرعه. فلا تحتجّ بتاريخ أسلافك، ولا تجعل صلاحهم بديلًا عن طاعتك؛ فلك جزاء عملك، ولغيرك جزاء عمله، ولن تنفعك دعوى لم يصدقها امتثالك. ولا تفهم قوله: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ تسويةً بين الحق والباطل، بل تقريرًا للمسؤولية الفردية أمام الله. فنقِّ توحيدك من الشرك، وعبادتك من الرياء، ودعوتك من التعصب، والتزم الحق بلا خصومةٍ جاهلة؛ فميزة المؤمن أن يكون لله وحده مخلصًا.

2|140|أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَٰهِـۧمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطَ كَانُوا۟ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ ۗ قُلْ ءَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ ۗ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَـٰدَةً عِندَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

صدِّق شهادة الله بأن دين الأنبياء جميعًا هو الإسلام. ولا تتبع ما حرّفه اليهود والنصارى وكتمه فريقٌ من علمائهم في التوراة والإنجيل. فلا تزعم أن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ومن هدى الله من الأسباط كانوا يهودًا أو نصارى؛ فقد سبقوا ظهور هذين الانتسابين، وكانوا مسلمين موحّدين مستسلمين لله. وقد افترى اليهود والنصارى على تاريخ الأنبياء حين نسبوهم إلى مللهم المحرَّفة، وكتموا ما بقي في كتبهم من الشهادة بإسلامهم وبصدق محمد ﷺ؛ فلا تقدّم أقوالهم على خبر الله، ولا تخلط بين التوراة والإنجيل اللذين أنزلهما الله وبين ما أصابهما بعد ذلك من تحريفٍ وتبديلٍ وكتمان على أيدي اليهود والنصارى. وأظهر الحق الذي علمته، ولا تحجبه تعصبًا لموروثٍ أو طلبًا لمصلحة؛ فمن كتم شهادة الله كان من أشد الناس ظلمًا، والله محيطٌ بما يعلنه العباد وما يخفونه.

2|141|تِلْكَ أُمَّةٌۭ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْـَٔلُونَ عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

ابنِ نجاتك على إيمانك وعملك، ولا تستر تقصيرك بأمجاد السابقين أو أخطائهم. فتلك أمةٌ مضت إلى ربها، لها جزاء ما كسبت، ولك جزاء ما تكسب؛ فلا يرفعك صلاح أسلافك إن خالفت هديهم، ولا تُحمَّل ذنوبهم التي لم تشارك فيها. خذ من سيرتهم العبرة واتبع ما وافق الوحي، ولا تحوّل الحديث عن تاريخهم إلى مفاخرةٍ عقيمة أو خصومةٍ تصرفك عن إصلاح نفسك. ولا تتخذ انحراف من سبق عذرًا لمعصيتك؛ فإن اخترت تقليد باطلهم حوسبت على اختيارك وعملك. فصحّح توحيدك، وأخلص عبادتك، وأدِّ الحقوق، وبادر إلى التوبة، ولا تؤجل ما ينجيك اتكالًا على اسمٍ أو نسب؛ إذ يقف كل إنسان بين يدي الله بما قدّم، لا بما ادّعاه لنفسه أو ورثه عن غيره.

2|142|۞ سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِى كَانُوا۟ عَلَيْهَا ۚ قُل لِّلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

اتبع أمر الله إذا تغيّر الحكم، ولا تجعل استغراب الناس أو سخرية الجاهلين تزعزع طاعتك. فقد اعترض السفهاء، ومنهم اليهود والمنافقون والمشركون، على تحويل قبلة المسلمين من بيت المقدس إلى الكعبة، فجعلوا تبدّل الجهة مطعنًا في الوحي؛ فردّ الله بأن المشرق والمغرب ملكٌ له، يوجّه عباده حيث يشاء بحكمته. فلا تقدّس جهةً لذاتها، ولا ترفض حكمًا ثابتًا لأنك ألفت ما قبله؛ فشرف القبلة من أمر الله، والطاعة له لا للحجر أو المكان. وتثبّت من الحكم بالقرآن وصحيح السنة، ثم امتثله بلا تردد، ولا تدخل في جدالٍ عقيم مع من لا يطلب الحق. واسأل الله أن يهدي قلبك إلى صراطه المستقيم، ولا تنسب هدايتك إلى ذكائك وحده؛ فهو الذي يبيّن الطريق ويوفّق من يشاء إلى اتباعه.

2|143|وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةًۭ وَسَطًۭا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًۭا ۗ وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِى كُنتَ عَلَيْهَآ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ

الزم عدل الإسلام واتبع الرسول ﷺ بلا تردد، ولا تجعل الوسطية ذريعةً لتمييع الحق أو مخالفة الوحي. فقد جعل الله أمة محمد ﷺ أمةً وسطًا: خيارًا عدولًا، تشهد على الأمم بأن رسلها بلّغتها، ويشهد عليها الرسول ﷺ بما استجابت أو أعرضت. فبلّغ الحق بأمانة، ومثّله في عبادتك وأخلاقك ومعاملاتك، ولا تطلب مقام الشهادة وأنت تكتم الوحي أو تناقضه بعملك. وامتثل حكم الله إذا اختبر به صدق اتباعك؛ فقد كان تحويل القبلة امتحانًا أظهر من يتبع الرسول ممن يرتدّ عن طاعته، وإن شقّ ذلك إلا على من هداه الله. فلا تربط ثباتك بمألوفٍ أو عادة، بل بأمر الله. ولا تظن أن طاعةً صحيحةً أديتها قبل تبدّل الحكم تضيع؛ فقد حفظ الله ثواب صلوات المؤمنين إلى بيت المقدس، وهو بالناس رؤوفٌ رحيم.

2|144|قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى ٱلسَّمَآءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةًۭ تَرْضَىٰهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُۥ ۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ

استقبل المسجد الحرام في صلاتك طاعةً لله، ولا تُقدِّم اعتراض الناس أو مألوفهم على حكمه. فقد رأى الله تطلّع نبيّه ﷺ إلى السماء انتظارًا للوحي، فولّاه القبلة التي يحبها، فادعُ الله بما ترجوه وانتظر أمره، ولا تجعل رغبتك تشريعًا من عند نفسك. وتحرَّ جهة الكعبة حيثما كنت، واستقبلها بحسب استطاعتك، ولا تترك الصلاة لعجزٍ أو اشتباهٍ بعد بذل وسعك. واعلم أن شرف القبلة مستمدٌّ من اختيار الله، فلا تعبد المكان، بل اعبد ربَّه متوجهًا إلى الجهة التي أمر بها. ولا تجعل إنكار المعاند يوقعك في الشك؛ فقد كان أهل الكتاب يعلمون أن تحويل القبلة حقٌّ من ربهم، ثم كتم بعضهم العلم أو جحده. فاثبت على الحق، ولا تخفِ ما علمت؛ فالله لا يغفل عن طاعة المخلص ولا عن كتمان المعاند وعمله.

2|145|وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ بِكُلِّ ءَايَةٍۢ مَّا تَبِعُوا۟ قِبْلَتَكَ ۚ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍۢ قِبْلَتَهُمْ ۚ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍۢ قِبْلَةَ بَعْضٍۢ ۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ ۙ إِنَّكَ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ

اثبت على الحق الذي علَّمك الله، ولا تبدّله طلبًا لرضا من يعانده. فقد بيّن الله أن من أصرّ من اليهود والنصارى على كفره لن يتبع قبلة المسلمين ولو جاءته كل حجة، وأن المسلمين لا يتبعون قبلتهم، كما أن اليهود والنصارى أنفسهم لا يتبع بعضهم قبلة بعض. فاعرض الدليل بوضوح، ولا تستنزف عمرك في تكراره لمن ظهر أن اعتراضه اتباعٌ للهوى لا طلبٌ للهداية. ولا تجعل كثرة المخالفين أو نفوذهم أو اتهاماتهم تدفعك إلى الشك أو التنازل عن حكمٍ ثبت بالقرآن وصحيح السنة. واحذر أن تعرف الحق ثم تميل عنه مجاملةً أو خوفًا أو مصلحة؛ فاتباع الأهواء بعد العلم ظلمٌ للنفس وخيانةٌ للأمانة. والزم ما أنزل الله، واستعن به على الثبات، وعامل المخالف بالعدل وأنت ثابت على إسلامك، ولا تسلِّم زمام دينك لأحد، أو تمكّنه من زعزعة ثوابته وصرفك عن الحق.

2|146|ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَعْرِفُونَهُۥ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًۭا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

أظهر الحق الذي علمته واتّبعه، ولا تكتمه تعصّبًا أو خوفًا أو طلبًا لمصلحة. فقد كان أهل الكتاب يهوداً ونصارى يعرفون صدق محمد ﷺ وما جاء به من عند الله، ومنه أمر القبلة، معرفةً واضحةً كمعرفتهم أبناءهم، لكن فريقًا منهم كتم الحق عمدًا وهو يعلمه، وحرفوا التوراة والانجيل عن عمد؛ فلا تنسب كتمان الحق إلى جميع أهل الكتاب؛ فالآية خصّت به فريقًا منهم، ولا تُخفِّف جريمة من جحد بعد اليقين. فتثبّت من الدليل، ثم انصره بقولك وعملك، ولا تحرّف نصًّا أو تحجب شهادةً أو تسكت عن بيانٍ واجب حمايةً لمكانتك أو موروثك. وإذا ظهر لك أن رأيًا اعتدتَه يخالف القرآن وصحيح السنة، فاتركه فورًا ولا تبحث له عن تأويلٍ يخدم هواك. وعلّم من استرعاك الله أمرهم بأمانة؛ فكتمان العلم يضلّ غيرك ويحمّلك إثمًا فوق إثمك، والعلم الحق أمانةٌ لا ينجّي صاحبها إلا إذا صدّقها واتبعها.

2|147|ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ

اثبت على الحق الذي جاءك من ربك، ولا تجعل اعتراض المعاندين أو كثرة المخالفين تُدخل الشك في قلبك. فالوحي، ومنه أمر القبلة، حقٌّ من الله لا يتبدّل بإنكار أهل الكتاب ولا بأهواء الناس؛ فاجعل القرآن وصحيح السنة ميزان اعتقادك وعبادتك وقراراتك، ولا تقدّم عليهما موروثًا أو رأيًا أو ضغطًا اجتماعيًّا. وإذا عرضت لك شبهة، فلا تستسلم لها أو تنشرها قبل التثبّت، بل اطلب جوابها من الوحي وأهل العلم الموثوقين، واسأل الله نور البصيرة وثبات اليقين. ولا تجعل الخاطر العابر حكمًا مستقرًّا؛ ادفعه بالعلم والذكر والطاعة، واحذر أن يتحول التردد إلى تركٍ للامتثال. والنهي في الآية تثبيتٌ للرسول ﷺ وتعليمٌ لأمته، لا دلالة على وقوع الشك منه؛ فاعرف الحق بدليله، ثم الزمه بقلبك وقولك وعملك.

2|148|وَلِكُلٍّۢ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا۟ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

الزم الوجهة التي شرعها الله لك، ولا تجعل اختلاف الناس في القِبَل والطرائق يصرفك عن المسابقة إلى طاعته. فلكل أمةٍ جهةٌ تتوجه إليها، وليس اختلاف الجهات دليلًا على تساوي الأديان أو صحة كل طريق؛ فالحق ما عيّنه الله في وحيه لكُل أمة، وقد أمر المسلمين باستقبال المسجد الحرام. فلا تُهدر وقتك في خصوماتٍ لا تزيدك هدى، بل بادر إلى الخيرات: أقم الصلاة، وأدِّ الحقوق، وانفع الناس، وتب من الذنب، ولا تؤجل طاعةً تقدر عليها؛ فالفرص والعمر أمانتان تنقضيان. واجعل منافستك في مرضاة الله، لا في السمعة والغلبة وعلو المنصب وكثرة المال والأتباع، واسأله أن يوفقك للعمل المقبول. وتذكّر أنك أينما كنت سيجمعك الله مع الخلق للحساب، فلا يحجزك عنه مكانٌ ولا موت؛ فهو على بعث الجميع وجزائهم وكل شيءٍ قدير.

2|149|وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۖ وَإِنَّهُۥ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

استقبل المسجد الحرام في صلاتك أينما خرجت وحللت، ولا تجعل السفر أو تغيّر المكان سببًا لإهمال القبلة أو التهاون في تحرّيها. فابحث عن جهتها بالوسائل المتاحة، وصلِّ إليها بعد بذل وسعك، ولا تؤخّر الصلاة حتى يخرج وقتها لمجرد تعذّر اليقين الكامل؛ فإن عجزت فاعمل بما غلب على ظنك. وامتثل هذا الحكم مطمئنًّا؛ فتحويل القبلة إلى الكعبة حقٌّ ثابت من ربك، لا عادةٌ قومية ولا استجابةٌ لضغط الناس. فلا تجعل اعتراض اليهود أو غيرهم يزعزع يقينك في حُكم الله، ولا تستبدل حكم الوحي بما اعتدته أو استحسنته نفسك. واجمع بين توجّه الجسد إلى القبلة وتوجّه القلب إلى الله وحده، فلا تنشغل بصحة الجهة عن الإخلاص والخشوع، ولا تكتفِ باستقامة جسدك نحو القبلة مع غفلة قلبك عن الله؛ فتمام الصلاة أن تصحَّ الجهة، ويخلص القصد، ويخشع القلب. وراقب عملك ظاهرًا وباطنًا؛ فالله لا يغفل عن دقة امتثالك ولا عن نيتك وتقصيرك.

2|150|وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُۥ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِى وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ

استقبل المسجد الحرام في صلاتك حيثما كنت، ولا تدع خوف الناس أو اعتراضهم يصرفك عن حكم الله. فقد أكّد الله هذا الأمر ليقطع حجة من كان يحتجّ على المسلمين بمخالفة قبلة إبراهيم عليه السلام، ويبقى اعتراض الظالمين مكابرةً لا حجة؛ فلا تجعل عنادهم سببًا للتنازل أو الاضطراب. وتحرَّ جهة الكعبة بما تستطيع، واجمع مع استقامة جسدك نحو القبلة إخلاص قلبك لله وخشوعه له. ولا تخشَ تهديد المخالفين أو سخريتهم خشيةً تحملك على ترك الواجب؛ بل اخشَ الله وحده، وراقب رضاه قبل رضا الخلق، مع معاملتهم بالعدل والحكمة والرحمة. واعرف أن امتثال الوحي من تمام نعمة الله عليك ومن أسباب هدايتك، فلا تقابل النعمة بالتردد أو المعصية، بل اشكرها بالطاعة والثبات، واسأل الله أن يزيدك هدىً ويوفقك للحق حتى تلقاه.

2|151|كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًۭا مِّنكُمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا۟ تَعْلَمُونَ

تلقَّ هداية الرسول ﷺ بالتعلّم والاتباع والتزكية، ولا تجعل القرآن تلاوةً بلا فهمٍ أو علمًا بلا عمل. فقد أنعم الله على المؤمنين بأن أرسل فيهم رسولًا منهم، يعرفون نسبه ولسانه وصدقه، يتلو عليهم آيات الله، ويطهّر عقائدهم من الشرك، ونفوسهم من الرذائل، وأعمالهم من المعاصي، ويعلّمهم القرآن والحكمة، وهي سنته وهديه، ويكشف لهم من أمر الدين ما لم يكونوا يعلمون. فاقرأ القرآن متدبّرًا، وتعلّم معانيه وأحكامه من صحيح السنة وأهل العلم الموثوقين، ثم حوّل ما تعلمت إلى عبادةٍ وخلقٍ ومعاملة. ولا تفصل بين العلم والتزكية؛ فالمعرفة التي تزيد الكبر أو لا تمنع الظلم لم تحقق مقصد الرسالة. واشكر نعمة بعثة محمد ﷺ باتباعه، ولا تستبدل هديه بالأهواء أو الموروث المخالف للوحي، وعلّم غيرك بأمانة ما علّمك الله.

2|152|فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لِى وَلَا تَكْفُرُونِ

اذكر الله بقلبك ولسانك وطاعتك، واشكر نعمه باستعمالها فيما يرضيه، ولا تغفل عنه أو تقابل إحسانه بالجحود والمعصية. فاجعل لك وردًا ثابتًا من التسبيح والتحميد والتهليل والاستغفار وتلاوة القرآن، واستحضر مراقبة الله عند قراراتك وكلامك ومعاملاتك؛ فالذكر الحق لا يقتصر على ألفاظٍ يرددها اللسان بينما يخالفها العمل. وإذا ذكرت الله مخلصًا ذكرك بما يليق بجلاله: أثنى عليك في الملأ الأعلى، ورحمك وأعانك وأثابك. واعرف النعمة بقلبك، وانسبها إلى الله بلسانك، وأدِّ حقها بجوارحك؛ فاشكر نعمة المال بالإنفاق الحلال، والعلم بتعليمه والعمل به، والصحة بالطاعة، والوقت بما ينفع. ولا تستعمل عطايا الله في معصيته، ولا تنسبها إلى قدرتك وحدها؛ فالجحود ليس إنكارها بالقول فقط، بل يشمل إهمال حقها وتسخيرها فيما يسخطه.

2|153|يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ

استعن بالله بالصبر والصلاة عند الشدائد والتكاليف، ولا تواجه الابتلاء بالجزع أو تترك الطاعة حين يثقل طريقها. فاصبر على امتثال أوامر الله، وعن معاصيه، وعلى ما يقدّره سبحانه مما يشقّ على النفس، مع حسن الظن به والتسليم لحكمته، وخذ بالأسباب المشروعة من غير اعتراضٍ على قضائه أو استسلامٍ للعجز. وإذا ضاق صدرك فافزع إلى الصلاة بخشوع، واسأل الله فيها العون والثبات؛ فهي صلةٌ به تمدّ القلب باليقين، وليست حركاتٍ تؤدَّى مع غفلةٍ ثم يستمر الظلم وسوء الخلق. ولا تجعل الصبر سكوتًا عن باطلٍ تستطيع تغييره، بل اثبت على الحق بحكمةٍ من غير تهوّر أو تعدٍّ. واطلب المساندة ممن يقدر عليها، مع بقاء اعتماد قلبك على الله وحده. واعلم أن معية الله للصابرين معيةُ نصرةٍ وتأييدٍ وحفظ، فاثبت حتى يتمّ البلاء، ولا تستعجل زوال الشدة قبل تمام ما أراده الله لك من الخير، ولا تترك الصبر قبل انكشاف حكمته وثمرته.

2|154|وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتٌۢ ۚ بَلْ أَحْيَآءٌۭ وَلَـٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ

آمن بأن من قُتل حقًّا في سبيل الله حيٌّ عند ربّه حياةً برزخيّةً كريمة، ولا تصفه بالفناء أو تقِس حاله على ما تدركه بحواسك. فموته انقطاعٌ عن حياة الدنيا لا زوالٌ لوجوده، وقد أخبر الله بحياته التي لا نشعر بكيفيتها؛ فسلِّم لخبر الوحي، ولا تتكلّف تحديد ما حجبه الله عنك. وواسِ أهل الشهيد بصدقٍ وصبر، واذكر فضله من غير غلوّ، ولا تدعه أو تستغث به؛ فالعبادة والدعاء لله وحده. ولا تُنزّل منزلة الشهيد على كل من قُتل في نزاعٍ أو راية؛ فسبيل الله لا يحدده الشعار أو الحماسة، بل الإيمان والإخلاص والقتال المشروع، وحقيقة النيات يعلمها الله. فادعُ لمن ظاهره الخير بالقبول، ولا تجزم لمعيّنٍ بالشهادة إلا بدليل، واستعد للقاء الله بطاعةٍ صادقة لا بتمنّي منزلةٍ لم تعمل بأسبابها.

2|155|وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍۢ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍۢ مِّنَ ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ

استقبل ما يقدّره الله من الابتلاء بالصبر والطاعة وحسن الظن به، ولا تجعل الخوف أو الجوع أو فقد المال والأنفس والثمرات يدفعك إلى الجزع أو الاعتراض أو المعصية. واعلم أن ما يصيبك إنما يقع بعلم الله وحكمته، وأنه قد يختبر عباده بشيءٍ من هذه الشدائد ليظهر صدق الإيمان وثبات العمل؛ فلا تظن أن كل بلاءٍ عقوبة، ولا تحكم على مبتلى بسوء منزلته عند الله. وخذ بالأسباب المشروعة لدفع الضرر وطلب الرزق والعلاج وحماية النفس والمال، ولا تسمِّ العجز صبرًا أو تترك واجبًا تستطيع أداءه. واضبط لسانك وقلبك عند الشدة، واستمر في الصلاة والحقوق والعمل النافع، ولا تجعل المصيبة مبررًا لظلم غيرك. وبشّر نفسك ومن ابتُلي بوعد الله للصابرين، واثبت على طاعته حتى تنقضي الشدة أو تلقاه وهو راضٍ عنك.

2|156|ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌۭ قَالُوٓا۟ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ

قل عند نزول المصيبة بقلبٍ حاضر ولسانٍ صادق: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، ولا تجعل الحزن يقودك إلى الاعتراض على الله أو التلفظ بما لا يرضيه. استحضر أنك عبدٌ لله، وأن نفسك وأهلك ومالك وجميع نعمك ملكٌ له وأماناتٌ عندك، وأن مصيرك إليه للحساب والجزاء؛ فتلقَّ ما يقدّره سبحانه بالتسليم لحكمته وحسن الظن به. ولا تجعل الاسترجاع كلمةً معتادةً بلا أثر؛ بل اضبط لسانك، وأدِّ ما بقي عليك من حقوق، وخذ بالأسباب المشروعة للعلاج والإصلاح ودفع الضرر. ولا تحرّم على نفسك البكاء والحزن الطبيعي، لكن اجتنب النياحة والتسخّط وإيذاء النفس أو الناس. وكرّر الاسترجاع كلما تجدد الألم، واسأل الله الصبر والثبات، واجعل تذكّر الرجوع إليه باعثًا على التوبة والاستعداد للقائه.

2|157|أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَٰتٌۭ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌۭ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ

الزم الصبر والاسترجاع عند المصيبة، ولا تستبدل التسليم لله بالتسخّط؛ فجزاء الصابرين ثناءٌ من ربهم ورحمةٌ وهداية. واستحضر أن صلوات الله عليهم تعني ثناءه عليهم في الملأ الأعلى وتشريفه لهم، لا صلاةً كصلاة المخلوقين؛ فنزّه الله عن مشابهة خلقه، وآمن بما أخبر به على الوجه اللائق بجلاله. ولا تطلب هذه المنزلة بمجرد القول، بل صدّق ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ بصبرك واحتسابك، وضبط لسانك وجوارحك، وحسن ظنك بربك، واستمرارك في الطاعة، وأدائك الحقوق، واجتنابك الظلم عند اشتداد الحزن. وارجُ رحمة الله ولا تقنط، وخذ بالأسباب المشروعة لإصلاح ما يمكن إصلاحه دون أن يناقض ذلك صبرك. واجعل كل مصيبة تعيدك إلى الله وتصحح مسارك؛ فالمهتدي حقًّا من عرف عند البلاء عبوديته ومآله وتوجيه للاستقامة من ربه، فثبت على ما يرضي الله.

2|158|۞ إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًۭا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ

عظِّم شعائر الله كما شرعها، ولا تترك عبادةً صحيحةً بسبب ارتباطٍ جاهليٍّ سابق أو وهمٍ لم يقرّه الوحي. فالصفا والمروة من معالم دين الله، وقد رفع سبحانه الحرج عمّن تردّد في السعي بينهما لما علق بأذهان بعض المسلمين من شأنهما قبل الإسلام؛ فليس وجود انحرافٍ قديم حول مكانٍ سببًا لإبطال ما جعله الله شعيرةً له. فإذا حججت أو اعتمرت فأدِّ السعي بين الصفا والمروة على هدي النبي ﷺ، مستحضرًا طاعة الله لا تعظيم الحجر لذاته، ولا تُدخل في النسك قولًا أو فعلًا لم يشرعه. وزِد من الخير المشروع بعد أداء الواجب، ولا تحتقر طاعةً خالصةً ولو قلّت؛ فإن الله شاكرٌ لعباده، يثيبهم على طاعتهم ويضاعف لهم بفضله، وهو عليمٌ بنياتهم وأعمالهم، فلا يضيع عنده سعيٌ صادق.

2|159|إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلْهُدَىٰ مِنۢ بَعْدِ مَا بَيَّنَّـٰهُ لِلنَّاسِ فِى ٱلْكِتَـٰبِ ۙ أُو۟لَـٰٓئِكَ يَلْعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللَّـٰعِنُونَ

بلِّغ بيّنات الله وهداه بأمانةٍ حين يجب البيان، ولا تكتم الحقَّ حفاظًا على منصبٍ أو مالٍ أو موروثٍ أو رضا الناس. فقد توعّد الله من علماء أهل الكتاب اليهود والنصارى الذين أخفوا ما بيّنه في كتبهم التوراة والإنجيل، ومن ذلك ما يدلّ على صدق محمد ﷺ، ويلحق بهم كل من عرف حكمًا أو دليلًا شرعيًّا يحتاج الناس إليه ثم حجبه عمدًا ليضلّهم أو ليستبقي نفوذه. فلا تحرّف النصوص، ولا تقتطع منها ما يخدم هواك، ولا تسكت عن إنقاذ من استفتاك وأنت قادرٌ على البيان. وعلّم أهلك ومن استرعاك الله أمرهم ما يحتاجون إليه من الدين، وانسب العلم إلى دليله، ولا تتكلم بغير علم؛ فالأمانة ليست في كثرة الكلام بل في إظهار الحق بلا زيادةٍ ولا نقصان. واحذر كتمان الهدى؛ فمن فعله استحق الإبعاد عن رحمة الله ولعنة اللاعنين.

2|160|إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ وَأَصْلَحُوا۟ وَبَيَّنُوا۟ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنَا ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ

تُب من كتمان الحق توبةً تُصلح أثره، ولا تكتفِ بندمٍ خفيٍّ مع بقاء الناس على ما أضللتهم به. فأوقف الكتمان والتحريف، واندم على ما فعلت، واعزم ألّا تعود، ثم أصلح فسادك بردّ الحقوق وتصحيح التعليم والفتوى والكلام الذي نشرته. وبيّن للناس بوضوح ما أخفيته أو شوّهته، وفي الموضع نفسه وبقدر ما بلغهم الباطل ما استطعت؛ فلا تكون التوبة صادقةً وأنت تخشى على سمعتك أكثر من خوفك من الله. ولا تؤخر البيان انتظارًا لظرفٍ مثالي، بل بادر قبل أن يتسع الضرر أو يفجأك الأجل. وإذا استكملت التوبة والإصلاح والبيان، فارجُ قبول الله ولا تيأس من رحمته؛ فهو سبحانه كثير القبول لتوبة عباده، واسع الرحمة بهم. واجعل نجاتك في الرجوع الصادق إليه، لا في إخفاء الخطأ أو تبريره.

2|161|إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كُفَّارٌ أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ

الزم الإيمان وتُب قبل الموت، ولا تؤخّر الرجوع إلى الله حتى يفجأك الأجل؛ فمن مات ثابتًا على الكفر استحق لعنة الله والملائكة والناس أجمعين والخلد في جهنم. فاحذر أن تعرف الحق ثم ترده عنادًا أو تعصبًا أو طلبًا لمصلحة، ولا تغترّ بطول العمر أو تؤمّل توبةً مؤجلةً لا تملك بلوغها. وادعُ غير المسلم إلى الإسلام بالحكمة والرحمة، ولا تحكم على حيٍّ بأنه سيموت كافرًا؛ فالهداية بيد الله، وقد يتوب العبد قبل موته. أمّا من ثبت موته على الكفر، فالحكم عليه بحكم الله العام لا بالهوى ولا بالشماتة. واجعل خوفك من سوء الخاتمة باعثًا على تصحيح التوحيد والعمل، وسل الله الثبات على الإسلام حتى تلقاه، ولا تعتمد على اسمٍ أو ماضٍ أو دعوى لا يصدّقها إيمانٌ وطاعة.

2|162|خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۖ لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ

بادر إلى الإيمان والتوبة قبل الموت، ولا تُصرّ على الكفر اعتمادًا على مهلةٍ لا تملكها؛ فمن مات كافرًا بقي في عذاب الآخرة خالدًا، لا يُخفَّف عنه ولا يُمهل ليعتذر أو يرجع. فلا تُسوِّف قبول الحق بعد ظهوره، ولا تجعل المال أو المكانة أو تقليد الآباء أغلى من نجاتك؛ فباب التوبة مفتوح في الحياة، أمّا بعد الموت فقد انتهى زمن الاختيار والعمل. ولا تُنزّل هذا الوعيد على المسلم لمجرد معصيةٍ لا تُخرجه من الإسلام؛ فالخلود المذكور هنا لمن ثبت على الكفر حتى مات. وادعُ غير المسلم إلى التوحيد واتباع محمد ﷺ بالحكمة والبيان، ولا تيأس من هدايته ما دام حيًّا. وراجع إيمانك وأعمالك، واسأل الله أن يثبتك على الإسلام حتى تلقاه؛ فالنجاة برحمته مع صدق الإيمان والتوبة والطاعة، لا بالأماني المؤجلة.

2|163|وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۖ لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ

أفرد الله وحده بكل عبادة، ولا تصرف شيئًا من الدعاء أو الخوف التعبدي أو الرجاء أو التوكل أو الذبح أو النذر لغيره؛ فمعبودك الحق هو الله إلهٌ واحد لا شريك له، ولا يستحق العبادة سواه. وحِّد قلبك كما توحّد لسانك، فلا تقل: لا إله إلا الله، ثم تتعلق بمن لا يملك لك نفعًا ولا ضرًّا إلا بإذن الله. واجعل صلاتك ودعاءك واستعانتك وطلبك للرزق والحفظ والهداية خالصةً له، مع الأخذ بالأسباب المشروعة دون اعتماد القلب عليها. واستحضر اسميه الرحمن الرحيم؛ فأقبل عليه محبًّا راجيًا رحمته، ولا تيأس بسبب ذنب، بل تب وأصلح، ولا تغترّ برحمته فتقيم على المعصية. وارحم الخلق بما شرع الله، واعبد ربك بين المحبة والخوف والرجاء؛ فالتوحيد الحق يحرر القلب من عبودية كل ما سوى الله.

2|164|إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِى تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍۢ فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍۢ وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَـٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ

تدبّر آيات الله في الكون بعقلٍ يقودك إلى توحيده وطاعته، ولا تمرّ عليها غافلًا أو تنسب نظامها إلى المصادفة والطبيعة المستقلة عن خالقها. فانظر في إحكام السماوات والأرض، وتعاقب الليل والنهار، وجريان السفن في الماء بما ينفع الناس، ونزول الماء الذي يحيي الله به الأرض، وانتشار الدواب، وتصريف الرياح، وتسخير السحاب؛ واستعمل ما تتعلمه من علوم الكون في زيادة يقينك وشكرك، لا في الكبر أو إنكار الخالق. ولا تكتفِ بالإعجاب بالمشهد؛ بل حوّل معرفتك إلى عبادة، ودليل إلى الله، ومحافظةٍ على النعم، ونفعٍ للناس، وتركٍ للإفساد والإسراف. وخذ بالأسباب في الزراعة والملاحة والعمران والبحث، مع إفراد الله بالخلق والتدبير والقدرة. واسأله فهمًا يبصّرك بدلالات آياته؛ فالعبرة ليست بكثرة المشاهدة، بل بعقلٍ يستدلّ بالمخلوقات على عظمة الخالق ووحدانيته.

2|165|وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادًۭا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ ۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَشَدُّ حُبًّۭا لِّلَّهِ ۗ وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ أَنَّ ٱلْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًۭا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعَذَابِ

اجعل محبة الله أعظم ما في قلبك، ولا تتخذ من دونه ندًّا تحبه محبةَ عبادةٍ أو تقدّم رضاه وطاعته على أمر الله. فلا تدعُ غير الله، ولا تستغث به فيما لا يقدر عليه إلا الله، ولا تنذر أو تذبح له، ولا تطع زعيمًا أو عالمًا أو قريبًا في معصية الخالق؛ فالمحبة الطبيعية للأهل والصالحين جائزة، وإنما المحرّم أن تُسوّى بمحبة الله أو تزاحم حقه. وأثبت صدق محبتك لله باتباع رسوله ﷺ، وإيثار طاعته عند تعارضها مع هواك ومصلحةٍ عاجلة، والإكثار من ذكره وشكره. ولا تغتر بقوة صنمٍ أو شخصٍ أو دولةٍ أو جماعة أو منصب أو نسب أو مال؛ فكل قوةٍ للمخلوق محدودةٌ وهبها له الله، والقوة لله جميعًا ملكًا وتدبيرًا وقهرًا. وتُب من الشرك قبل أن ترى العذاب وينكشف بطلان الأنداد؛ فإن الله شديد العقاب لمن لقيه مشركًا.

2|166|إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُوا۟ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوا۟ وَرَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلْأَسْبَابُ

اتبع الحقَّ لا الأشخاص، ولا تمنح قائدًا أو عالمًا أو محبوبًا طاعةً تُخالف أمر الله؛ فكل من قاد غيره إلى الشرك أو الضلال سيتبرأ يوم القيامة ممن اتبعه، ولن تنفع التبعيةُ أحدًا حين يُرى العذاب وتتقطع روابط النصرة والمودة والمصالح. فزِن أقوال من تتبعهم بالقرآن وصحيح السنة، ولا تجعل الشهرة أو القرابة أو الجماعة دليلًا على الصواب. وإذا أمرك أحد بمعصية، فارفض أمره بأدب وحكمة وثبات، ولا تخشَ فقد منفعةٍ زائلة على حساب نجاتك. وتُب من كل متابعةٍ عمياء، وصحّح ما قلته أو نشرتَه أو فعلته أو دافعتَ عنه من باطل، وحذّر من أضللتهم بقدر استطاعتك. وأحب الصالحين واتبع أهل العلم فيما وافق الوحي، مع بقاء قلبك متعلقًا بالله وحده؛ فلا متبوعٌ في الباطل يملك إنقاذ أتباعه، ولا تابعٌ ينجو بتعلّقه بمن أضلّه؛ بل يتبرأ بعضهم من بعض، وتسقط كل رابطةٍ توهّموا أنها ستحميهم.

2|167|وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوا۟ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةًۭ فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا۟ مِنَّا ۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَـٰلَهُمْ حَسَرَٰتٍ عَلَيْهِمْ ۖ وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ

تبرّأ في حياتك من الشرك والضلال ومن كل طاعةٍ تقود إليهما، ولا تنتظر يومًا لا ينفع فيه الندم ولا الرجوع. فالذين اتبعوا رؤساء الباطل سيتمنّون يوم القيامة العودة إلى الدنيا ليتبرؤوا منهم كما تبرأ المتبوعون من أتباعهم، لكن زمن العمل يكون قد انتهى. فاختبر اليوم من تقلّده وتناصره بميزان القرآن وصحيح السنة، ولا تجعل العصبية لشخصٍ أو جماعةٍ أو موروثٍ تحملك على ردّ الحق. واقطع صلتك بكل دعوةٍ إلى الشرك، وتب من الدفاع عنها أو نشرها، وبيّن لمن أثّرت فيه خطأك بقدر استطاعتك. ولا تؤجل التوبة؛ فقد يُري الله أهل الكفر أعمالهم حسراتٍ متتابعةً عليهم، ولا يخرجون من النار إذا ماتوا على كفرهم. أمّا المسلم العاصي فلا يُلحق بهذا الخلود لمجرد معصيته، ما لم يرتكب ناقضًا من نواقض الإيمان ويمت عليه. واعلم أن العمل وحده لا يُنجي أحدًا، وإنما النجاة برحمة الله وفضله، مع الإيمان والعمل الصالح؛ ورحمته سبحانه قريبٌ من المحسنين.

2|168|يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُوا۟ مِمَّا فِى ٱلْأَرْضِ حَلَـٰلًۭا طَيِّبًۭا وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۚ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌ

اطلب رزقك من الحلال الطيب، ولا تُدخل إلى جسدك أو مالك ما حرّمه الله أو خبث أثره. فالخطاب للناس جميعًا: كلوا مما أباحه الله وكان نافعًا غير ضار، وتثبّتوا من مصدر الطعام والمال وطريق الكسب، ولا تجعل الشهوة أو العادة أو رخص الثمن أو سهولة الحصول ذريعةً لشراء وقبول ما حرّمه الله أو خبُث ضرره ومصدره. واحذر خطوات الشيطان؛ فهو لا ينقل الإنسان غالبًا إلى المعصية دفعةً واحدة، بل يبدأ بتساهلٍ صغير، ثم تبرير، ثم اعتياد؛ فاقطع الطريق من أوله، ولا تقارب ما يجرّك إلى الربا أو الغش أو السرقة أو الإفساد أو الإسراف. ولا تحرّم من عند نفسك ما أحلّه الله، كما لا تستحلّ ما حرّمه. واجعل اختيارك للطعام والكسب عبادةً وشكرًا، واسأل الله رزقًا حلالًا طيبًا؛ فالشيطان عدوٌّ ظاهر، ومن العقل ألّا تتبع أثر عدوك.

2|169|إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِٱلسُّوٓءِ وَٱلْفَحْشَآءِ وَأَن تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

ارفض وساوس الشيطان التي تدعوك إلى السوء والفحشاء، ولا تنسب إلى الله حكمًا أو عقيدةً بغير علمٍ ثابت. فهو يزيّن كل معصيةٍ تسوء صاحبها أو غيره، ويدفع إلى الفواحش الظاهرة والباطنة، ثم يحاول أن يجعل الهوى دينًا؛ فاقطع وسوسته من بدايتها، ولا تترك نفسك فريسة بيده، ولا تبرّر الذنب أو تعتده حتى يهون في قلبك. وإذا سُئلت عن الحلال والحرام أو أسماء الله وصفاته أو مراده من آية تجهلها، فقل: لا أعلم، حتى تتثبت من القرآن وصحيح السنة وكلام أهل العلم الموثوقين. ولا تحرّم ما أحلّ الله، ولا تستحلّ ما حرّم، ولا تنسب إليه رأيًا بشريًّا أو عادةً موروثة. وراجع ما تنشره أو تعلّمه للناس؛ فالخطأ في الدين لا يقف عند صاحبه، والقول على الله بلا علم من أخطر مسالك الشيطان.

2|170|وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُوا۟ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ ۗ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْـًۭٔا وَلَا يَهْتَدُونَ

اتبع ما أنزل الله، ولا تجعل دين الآباء والعادات الموروثة مقدَّمًا على الوحي. فإذا خالف اعتقادٌ أو حكمٌ أو عبادةٌ ورثتها القرآنَ وصحيحَ السنة، فاترك المخالفة ولو عظّمها أهلك أو مجتمعك، ولا تجعل قِدَمها أو كثرة أتباعها دليلًا على صحتها إذا خالفَت منهج الله. واحترم والديك وأحسن إليهما، لكن لا تطعهما في شركٍ أو معصية، وبيّن لهما الحق بأدبٍ وحكمة ورحمة وتذلل. ولا ترفض كل موروثٍ لمجرد أنه قديم؛ بل اقبل منه ما وافق هدى الله، وردّ ما ناقضه. وتعلّم دينك بدليله، ولا تقلّد من لا يعرف الحجة أو لا يهتدي بالوحي؛ فالآية تذمّ من أصرّ على اتباع آبائه مع ظهور أنهم لا يعقلون الحق ولا يسلكون طريق الهداية. واسأل الله بصيرةً تهديك، ثم قدّم حكمه على الهوى والانتماء.

2|171|وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ كَمَثَلِ ٱلَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَآءًۭ وَنِدَآءًۭ ۚ صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌۭ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ

استمع إلى الوحي بقلبٍ يطلب الفهم والامتثال، ولا تكن ممن يسمع ألفاظ الحق ثم يرفض تدبّرها اتباعًا للكفر والموروث الباطل. فمثل الذين كفروا وأصرّوا على تقليد آبائهم كمثل دوابّ يناديها الراعي، فلا تدرك من ندائه إلا صوتًا مجردًا؛ يسمعون الدعوة إلى التوحيد، لكنهم لا يعقلون معناها ولا ينتفعون بحجتها. وليس وصفهم بالصمم والبكم والعمى نفيًا لحواسهم، بل لأنهم عطّلوها عن وظيفتها في معرفة الحق: فلا يسمعونه سماع قبول، ولا ينطقون به، ولا يبصرون دلائله. فاقرأ القرآن متدبّرًا، واسأل عما أشكل عليك، ووازن اعتقادك وعاداتك بدليل الوحي، ثم اعمل بما ظهر لك. ولا تجعل التعصب أو الكبر يحوّلان السمع والبصر والعقل، وهي نعمٌ من الله، إلى أدواتٍ لا تهديك إليه.

2|172|يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ

كُلْ من طيّبات ما رزقك الله، واشكره بطاعته، ولا تستعمل نعمه في معصيته أو تنسب الرزق إلى قدرتك وحدها أو إلى غيره. فاختر من الطعام ما أحلّه الله وكان طيبًا نافعًا، وتجنّب الحرام والخبيث والإسراف، وتثبّت من سلامة الكسب الذي تشتري به غذاءك؛ فإن المال المحرّم يفسد الانتفاع بالنعمة، ويمحق الثواب، ويمحو البركة. واستحضر عند الأكل أن الرزق من الله وحده، وأن الأسباب التي أخذت بها لا تخلق رزقًا ولا تضمنه إلا بإذنه؛ فاذكر اسمه، وكل باعتدال، واحمده بعد الفراغ. ولا تجعل الشكر كلماتٍ بلا أثر؛ بل اشكره بقلبك إيماناً واعترافًا، وبلسانك ذكراً وحمدًا، وبجوارحك طاعةً واستعمالًا للنعمة فيما يرضيه، وأطعم المحتاج من فضل الله عليك دون منٍّ أو أذى. فإن كنت تعبده حقًّا، فليظهر توحيدك في مصدر طعامك وطريقة إنفاقك وانتفاعك بما رزقك.

2|173|إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيْرِ ٱللَّهِ ۖ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍۢ وَلَا عَادٍۢ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ

اجتنب ما حرّمه الله عليك من المطعومات، ولا تستحلّ شيئًا منها، فلا تأكل الميتة أو الدم المسفوح أو لحم الخنزير، أو ما ذُبح فذُكر عليه اسم غير الله، أو ما قتل بغير الذبح الصحيح. فتثبّت من مكوّنات غذائك ومصدر اللحوم وطريقة ذبحها بقدر استطاعتك، ولا تجعل الشهوة أو العادة أو ضغط الناس مبررًا لتجاوز حكم الله. ولا تحرّم من عند نفسك ما أحلّه سبحانه؛ فالحلال والحرام حقٌّ لله يُعرف بالوحي، وهذه المذكورات ليست كل المحرّمات الواردة في الشريعة. وإذا ألجأتك ضرورةٌ حقيقية يخشى معها الضرر، ولم تجد مباحًا يدفعها، فخذ من المحرّم قدر ما يحفظ النفس فقط، غير طالبٍ للحرام مع وجود البديل، وغير مُستحِلٍ له، ولا متجاوزٍ مقدار الحاجة. ولا توسّع معنى الضرورة لخدمة الهوى؛ فمن صدق اضطراره والتزم حدّ الله فلا إثم عليه، والله غفورٌ رحيم بعباده.

2|174|إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَيَشْتَرُونَ بِهِۦ ثَمَنًۭا قَلِيلًا ۙ أُو۟لَـٰٓئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ إِلَّا ٱلنَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

أظهر ما أنزل الله بأمانة، ولا تكتم حكمًا أو دليلًا من الوحي لتشتري بسكوتك مالًا أو منصبًا أو رضا الناس. فقد توعّد الله من أهل الكتاب اليهود والنصارى الذين أخفوا ما في الكتاب من الحق، وبدّلوا في التوراة والإنجيل وحرفوهما وكتموا مما فيهما بعرضٍ دنيويّ زائل؛ ويلحق بوعيدهم كل من جعل علم الدين تجارةً للهوى والكسب، فحرّف النص أو انتقى منه وكتم ما يخدم مصلحته. فلا تُصدر فتوى ترضي صاحب نفوذ، ولا تسكت عن بيانٍ واجب خوفًا على رزقك، ولا تنشر من الدين ما لم يثبت. فما يأخذه كاتم الحق ثمنٌ حقير، وحقيقته سببٌ للعذاب كأنما يملأ بطنه نارًا. وتُب بإعلان ما كتمت، وتصحيح ما أفسدت، وردّ الحقوق؛ واحذر أن تلقى الله مصرًّا، فلا يكلّمك يوم القيامة كلام رضا وإكرام، ولا يطهّرك من ذنبك، ولك عذابٌ شديد مُوجع من جلدك إلي أعماقك.

2|175|أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ وَٱلْعَذَابَ بِٱلْمَغْفِرَةِ ۚ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ

تمسّك بالهدى الذي أنزله الله، ولا تستبدله بضلالةٍ تمنحك مالًا أو جاهًا أو قبولًا عابرًا؛ فمن كتم الحق وحرّفه لأجل الدنيا فقد باع المغفرة بالعذاب وخسر الصفقة كلها. فلا تُسخّر علمك لتبرير الهوى، ولا تنتقِ من الوحي ما يوافق مصلحتك وتُخفي ما يخالفها، ولا تؤثر رضا الناس على رضا الله. وإذا عرفت أنك أخطأت في بيان الدين، فتب سريعًا، وأظهر الحق، وأصلح ما أفسدت قبل أن يتسع أثره. وقوله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ تعجيبٌ من جرأتهم على أسبابها وإصرارهم عليها، لا مدحٌ لصبرهم على عذابها، فلا طاقة لأحد بأدنى عذابها؛ فلا تأمن العقوبة لمجرد تأخرها أو عدم تخيُّل قدرها ومدتها ووجعها. واجعل خوفك من الله حاجزًا عن تحريف الحق، ورجاءك في مغفرته دافعًا إلى الصدق والتوبة والعمل بما علمت.

2|176|ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ ۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِى ٱلْكِتَـٰبِ لَفِى شِقَاقٍۭ بَعِيدٍۢ

اجعل ما أنزله الله بالحق مرجعك الحاكم، ولا تقتطع منه ما يوافق هواك وتعارض ما لا يوافق مصلحتك. فقد استحق كاتمو الحق وعيد الله لأن الكتاب نزل صادقًا عادلًا لهداية الناس، لا ليُحرَّف أو يُشترى به عرض الدنيا، ولا ليتحكم في نصِّه أحد أو جماعة بعد موت الرسل وانقطاع الوحي؛ وكان الذين خالفوه من أهل الكتاب يهوداً ونصارى، فكتموا بعضه وحرّفوا بعضه وتنازعوا فيه، في شقاقٍ بعيد عن الحق. فاقبل الوحي كلَّه، وردّ ما اختلفت فيه إلى القرآن وصحيح السنة، واستعن بأهل العلم الموثوقين، ولا تجعل التعصب لمذهبٍ أو جماعةٍ أو شخصٍ يمنعك من اتباع الدليل. ولا تُدخل في هذا الوعيد كل اختلافٍ اجتهاديّ معتبر؛ إنما المذموم ردّ الحق بعد ظهوره، أو تفريق الدين بالهوى والتحريف. فاجمع بين طلب العلم والإخلاص والعمل، واحذر أن يتحول اختلافك إلى خصومةٍ تبعدك عن هداية الله.

2|177|۞ لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلْكِتَـٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـٰهَدُوا۟ ۖ وَٱلصَّـٰبِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ

اجعل البرَّ إيمانًا صادقًا وعملًا شاملًا، ولا تختزله في مظهرٍ تعبديٍّ واحد أو جدالٍ حول جهة القبلة. فآمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتب التي أنزلها والنبيين جميعًا، وصدّق إيمانك بالطاعة. وابذل من مالك مع محبتك له وحاجتك إليه لذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين، وفي تحرير الرقاب وفكّ الأسر، ولا تجعل صدقتك بقايا لا تعبأ بها أو وسيلةً للرياء. وأقم الصلاة بحقوقها وخشوعها وأثرها في أخلاقك، وأدِّ الزكاة المفروضة كاملةً في وقتها. وأوفِ بعهدك وأتمَّه متى عاهدت، ولا تنقضه لمصلحةٍ عارضة. واصبر عند الفقر والمرض وما يشقّ على النفس، واثبت عند اشتداد القتال المشروع جهاداً في سبيل الله ودفاعاً عن الدين والحرمات والأوطان. فهؤلاء هم الذين صدق إيمانهم بأعمالهم، واتقوا الله بامتثال أمره واجتناب معصيته.

2|178|يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِى ٱلْقَتْلَى ۖ ٱلْحُرُّ بِٱلْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلْأُنثَىٰ بِٱلْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِىَ لَهُۥ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌۭ فَٱتِّبَاعٌۢ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَـٰنٍۢ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌۭ ۗ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

احفظ حرمة الدم، ولا تقتل نفسًا بغير حق أو تحوّل القصاص إلى ثأرٍ وفوضى؛ فقد شرع الله القصاص في القتل العمد تحقيقًا للعدل، وردعًا عن سفك الدم بغير حق، ومنعًا لاعتداء أهل القتيل على غير الجاني أو تجاوزهم الحد بسبب تفاوت النسب والمكانة، فكل نفسٍ مصونة، والجاني نفسه هو المؤاخذ بجنايته لا غيره. ولا يستوفي القصاص الأفراد بأيديهم، بل يُرجع فيه إلى القضاء والسلطة المختصة بعد ثبوت الجريمة وانتفاء الشبهة. ولأولياء المقتول أن يطلبوا القصاص، أو يعفوا مجانًا، أو يقبلوا الدية؛ فإذا اختاروا الدية فليطلبوها بالمعروف من غير إذلالٍ أو تعسف، وليؤدّها الجاني أو من تلزمه بإحسانٍ من غير مماطلةٍ أو نقص. واعرف أن فتح باب العفو والدِيَّة تخفيفٌ ورحمةٌ من الله، فلا يعتدِ أحدٌ بعد الاتفاق أو العفو؛ فمن تجاوز بعد ذلك استحق الوعيد والعذاب الموجع الأليم.

2|179|وَلَكُمْ فِى ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌۭ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

أقِم العدل بالقصاص المشروع، ولا تجعل الرحمة الموهومة أو الثأر المنفلت يفتحان باب سفك الدماء. ففي القصاص حياةٌ للناس؛ لأنه يردع من يفكر في القتل حين يعلم أنه سيُؤاخذ بجنايته، ويحفظ حق المقتول، ويمنع أهلَه من تجاوز الجاني إلى غيره، ويقطع سلسلة الانتقام التي تهلك الأسر والمجتمعات. فلا تستوفِ العقوبة بنفسك، ولا تُدن متهمًا بغير بيّنة؛ بل ارجع إلى القضاء المختص ليُثبت الجريمة ويطبّق حكم الله بلا محاباةٍ أو تعدٍّ. ولا تعطل القصاص تحت ضغط المكانة أو المال، ولا تتجاوز حدَّه بدافع الغضب؛ فالمقصود حماية الحياة لا التشفي. وتأمل حكمة الله بعقلٍ سليم، واجعل خوفك منه حاجزًا عن القتل والظلم والاعتداء؛ فتقوى الله تحفظ الدماء، وتصون المجتمع، وتردّ كل إنسانٍ عن تجاوز حدوده.

2|180|كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ

اكتب وصيتك بالعدل قبل مفاجأة الموت، ولا تترك مالك وحقوقك سببًا للنزاع أو الظلم بعدك. فدوّن ما لك وما عليك من ديونٍ وأمانات وحقوق، وبيّنها بوضوح، وأشهد عليها، ولا تؤخر ذلك اتكالًا على طول العمر. وقد كانت الوصية للوالدين والأقربين واجبةً قبل تفصيل أنصبة المواريث، ثم أعطى الله كل وارثٍ حقه المقدر؛ فبقيت الوصية المشروعة لغير الوارث من الأقارب المحتاجين وفي وجوه الخير، في حدود ثلث التركة فأقل، ولا وصية لوارث إلا إذا أجازها بقية الورثة بعد الوفاة برضاهم. ولا تستعمل الوصية للإضرار بأحدٍ أو حرمان وارثٍ أو تفضيل شخصٍ لهوى، بل التزم المعروف والعدل. وأدِّ الحقوق في حياتك ما استطعت؛ فمن التقوى أن تُرتب ما بعد موتك بما يرضي الله ويحفظ حقوق عباده.

2|181|فَمَنۢ بَدَّلَهُۥ بَعْدَ مَا سَمِعَهُۥ فَإِنَّمَآ إِثْمُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ

احفظ الوصية المشروعة كما سمعْتها من الموصي، ولا تبدّل ألفاظها أو مقاديرها أو مستحقيها طمعًا أو محاباةً أو انتقامًا. فإذا اؤتمنت على وصيةٍ ثابتةٍ موافقةٍ لشرع الله، فأدِّها كاملةً، ووثّقها، ولا تُخفِ منها شيئًا أو تؤخر تنفيذها لتنتفع بالمال أو تحرم صاحبه. واعلم أن الموصي إذا بيّن وصيته بالمعروف فقد أدّى ما عليه، وإنما إثم التحريف على من غيّرها بعد علمه بها؛ فلا تُحمِّل الميت جنايةً ارتكبها الوصي أو الشاهد أو الوارث. ولا تشهد على ما لم ترى وما لم تسمع، ولا توقّع وثيقةً لم تفهمها، وواجه أي محاولةٍ للتزوير أو الضغط بما يحفظ الحق. واستحضر أن الله يرى ويسمع ما قيل في الوصية، ويعلم نية الموصي وأمانة المنفّذ وخيانة المبدّل؛ فلا يخفى عليه تغييرٌ ولو أخفاه الناس.

2|182|فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍۢ جَنَفًا أَوْ إِثْمًۭا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

أصلح الوصية إذا ظهر فيها ميلٌ عن العدل أو تعمّدٌ للإثم، ولا تترك ظلمًا معلومًا بحجة حرمة التبديل. فإذا علمت أن الموصي أخطأ بغير قصد، أو تعمّد الإضرار بحرمان وارثٍ أو تفضيل آخر بغير حق أو تجاوز حدود الوصية، فانصحه في حياته ليصححها، أو اسعَ بعد وفاته إلى الإصلاح بين الورثة وأصحاب الحقوق وفق شرع الله. ولا تجعل الإصلاح ستارًا لتغيير وصيةٍ صحيحة أو تحقيق مصلحةٍ شخصية؛ فالمأذون فيه إزالة الجور وردّ الحقوق، لا العبث بإرادة الموصي. واستعن بأهل العلم والقضاء عند الاشتباه، ووثّق الاتفاق حتى لا يتجدد النزاع. ولا تخشَ الإثم إذا كان تدخلك صادقًا لتحقيق العدل؛ فإن الله غفورٌ رحيم، يعلم من أراد الإصلاح ممن أراد التلاعب.

2|183|يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

أدِّ الصيام الذي فرضه الله طوال شهر رمضان إخلاصًا وطاعة، ولا تحوّله إلى امتناعٍ عن الطعام والشراب مع بقاء اللسان والجوارح على المعصية. فاستقبل التكليف بالرضا والتسليم، واعلم أن أصل الصيام عبادةٌ كتبها الله على أممٍ من قبلك، وإن اختلفت كيفياته وأحكامه؛ فلا تستثقله أو تظن أنه تكليفٌ منفصل عن طريق الأنبياء والمؤمنين. واجعل صيامك تدريبًا على التقوى: راقب الله في السر، واضبط شهوتك وغضبك، واحفظ سمعك وبصرك ولسانك، واترك الكذب والغيبة والظلم وما يسخطه سبحانه. ولا تجعل الجوع والعطش ذريعةً لسوء الخلق أو الكسل وتعطيل الواجبات، بل استعِن بالله على الصبر وأدِّ حقوق أهلك وعملك والناس. وقِس ثمرة صيامك بما أحدثه في طاعتك بعده؛ فالمقصود أن تزداد خشيةً لله، وامتثالًا لأمره، واجتنابًا لمعصيته، وتحكماً في غرائزك وشهواتك ورغباتك.

2|184|أَيَّامًۭا مَّعْدُودَٰتٍۢ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍۢ فَعِدَّةٌۭ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدْيَةٌۭ طَعَامُ مِسْكِينٍۢ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًۭا فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّهُۥ ۚ وَأَن تَصُومُوا۟ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ

صُمْ أيام رمضان المعدودات كما فرض الله، وخذ برخصته عند المرض أو السفر من غير تكلّفٍ يضرّك ولا تساهلٍ يتخذ الرخصة ذريعةً لترك العبادة. فإذا كان الصوم يضرّ بمرضك أو يؤخر شفاءك، أو كنت مسافرًا، جاز لك الفطر، ثم اقضِ بعدد الأيام التي أفطرتها حين تزول الرخصة، ولا تؤخر القضاء بلا عذر. وكان في أول تشريع الصيام لمن يقدر عليه أن يختار بين الصوم وإطعام مسكين، ثم استقر وجوب الصوم على القادر، وبقيت الفدية لمن عجز عنه عجزًا مستمرًّا، كالكبير والمريض الذي لا يُرجى شفاؤه. ومن زاد في الإطعام أو الخير طوعًا فهو أنفع له. ولا تترك الصيام مع قدرتك؛ فهو خيرٌ لك لما فيه من طاعة الله وتزكية النفس، والله أعلم بما يصلح عباده.

2|185|شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًۭى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍۢ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍۢ فَعِدَّةٌۭ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا۟ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

عظِّم رمضان بالصيام والقرآن والشكر والطاعات، ولا تجعله شهرَ جوعٍ في النهار وإسرافٍ في الملذات والطعام والشراب ليلًا، ولا موسمَ عاداتٍ ينقضي بلا هدايةٍ أو تغيير فيك للأصلح. فالقرآن أُنزل فيه هدىً للناس، واضح الدلالة على الحق، فارقًا بينه وبين الباطل؛ فاجعل لك وردًا يوميًّا من تلاوته وتدبّره والعمل بأحكامه، ولا تهجره بعد انقضاء الشهر. ومن أدرك رمضان وهو مكلَّفٌ قادرٌ مقيم فليصمه كاملًا، ولا يفطر بلا عذر؛ أمّا المريض والمسافر فلهما رخصة الفطر، وعليهما قضاء ما أفطراه في أيامٍ أخر بعد رمضان. وخذ بتيسير الله كما شرع، فلا تتكلّف ما يضرّك، ولا تتخذ اليسر ذريعةً للتساهل. وأكمل عدة الصيام والقضاء، وكبّر الله عند تمام الشهر على ما هداك فيه وأعانك، واشكره بقلبك ولسانك وطاعتك؛ فالهداية للصيام والقرآن نعمةٌ تستوجب دوام الامتثال.

2|186|وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا۟ لِى وَلْيُؤْمِنُوا۟ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ

ادعُ الله وحده موقنًا بقربه وإجابته، ولا تجعل بينك وبينه واسطةً تدعوها أو تستغيث بها فيما لا يقدر عليه إلا هو. فالله قريبٌ من عباده قربًا يليق بجلاله، يسمع دعاءهم ويعلم أحوالهم، من غير أن يُفهم من قربه حلولٌ أو مماثلةٌ لخلقه. فاسأله حاجاتك في السر والعلن بقلبٍ حاضرٍ وجوارح خاشعة، بين خوفٍ من أن تكون معاصيك سببًا في حرمانك من الإجابة، ورجاءٍ صادقٍ في سعة رحمته وفضله، مع المبادرة إلى التوبة وترك الإصرار على الذنب، وأحسن الظن به، ولا تترك الدعاء لاستبطاء الإجابة؛ فقد يعجّل لك مطلوبك، أو يدفع عنك من السوء، أو يدّخر لك خيرًا أعظم. ولا تجعل الدعاء كلماتٍ مع الإصرار على المعصية؛ بل استجب لله بالإيمان والطاعة والتوبة، وخذ بالأسباب المشروعة مع اعتماد قلبك عليه سبحانه. وألحّ في الدعاء من غير اعتداء، ولا تيأس أو تشترط على ربك كيفية الإجابة؛ فالرشد أن تجمع بين صدق الدعاء، وحسن العبادة، والتسليم لحكمة الله ورحمته.

2|187|أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌۭ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌۭ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَٱلْـَٔـٰنَ بَـٰشِرُوهُنَّ وَٱبْتَغُوا۟ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلْأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلْأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا۟ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَـٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَـٰكِفُونَ فِى ٱلْمَسَـٰجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَـٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ

التزم حدود الصيام في ليله ونهاره، وانتفع بما أحلّه الله دون إسرافٍ أو اقترابٍ مما حرّم. فقد أباح الله للزوجين الجماع في ليالي رمضان بعد أن كان الحكم أولًا أشدَّ بالحرمان، وتاب على من خالفه؛ فباشر زوجتك في الحلال، واطلب ما قدّره الله لك من العفة والمودة والذرية، وعاملها بالسكن والستر والحفظ؛ فهي لباسٌ لك وأنت لباسٌ لها، فلا تجعل العلاقة أذىً أو استغلالًا أو إفشاءً للخصوصية. وكُل واشرب ليلًا حتى يتبيّن طلوع الفجر الصادق، ثم أمسك عن المفطرات إلى غروب الشمس، ولا تعتمد على الظن مع إمكان معرفة الوقت. وإذا اعتكفت في المسجد فلا تجامع زوجتك حتى تنهي اعتكافك. ولا تقترب من الأسباب التي تجرّك إلى تجاوز حدود الله؛ فبيانه لأحكام الصيام رحمةٌ وهداية، والعمل بها طريقٌ إلى التقوى.

2|188|وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَـٰطِلِ وَتُدْلُوا۟ بِهَآ إِلَى ٱلْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا۟ فَرِيقًۭا مِّنْ أَمْوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ

احفظ أموال الناس كما تحفظ مالك، ولا تأخذ منها شيئًا بغير حق، ولو أمكنك انتزاعه بحكمٍ قضائي. فاجتنب السرقة والغش والربا والخيانة وأكل الأجور والمواريث والديون وسائر الحقوق بالحيل الباطلة، ولا تقدّم رشوةً إلى قاضٍ أو مسؤول، ولا تستعمل نفوذًا أو شهادةً كاذبةً لتستولي على شيءٍ من أموال الناس وأنت تعلم أنه ليس لك. ولا تجعل مهارة المحامي أو نقص الدليل أو صدور الحكم لصالحك سببًا لاستحلال مال غيرك؛ فحكم القاضي لا يحوّل الباطل حقًّا عند الله إذا كنت تعلم الحقيقة. وإذا اشتبه عليك الاستحقاق فتثبّت، وردّ الأمر إلى شرع الله والقضاء العادل وأهل العلم الموثوقين، واستفت قلبك وحاسب نفسك بصدقٍ بعيدًا عن الهوى، ولا تستغل جهل صاحب الحق أو ضعفه. وردَّ ما أخذته ظلمًا، واطلب المسامحة، وتُب إلى الله؛ فالمال الحرام لا تباركه كثرتُه، ولا تُحلِّله سهولةُ الحصول عليه، ومن صان حقوق الناس صان دينه ومجتمعه من الفساد والعداوة.

2|189|۞ يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِىَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ ۗ وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا۟ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا۟ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَٰبِهَا ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

اضبط عباداتك ومعاملاتك بالمواقيت التي جعلها الله، ولا تجعل العادات المخالفة للوحي علامةً على البر. فمنازل الهلال تضبط للناس الشهور والآجال، ويُعرف بها رمضان والحج والعِدد وسائر المواقيت الشرعية؛ فتثبّت من دخول الشهر بوسيلته المعتبرة، ولا تقدّم الحساب أو العرف على الحكم الشرعي في موضعٍ حدّده الوحي. وقد كان بعض العرب إذا أحرموا لا يدخلون البيوت من أبوابها توهّمًا أن ذلك برّ، فردّ الله هذا الاعتقاد؛ فلا تتعبّد بعادةٍ لم يشرعها الله، ولا تجعل المشقة المصطنعة دليلًا على التقوى. وادخل البيوت من أبوابها، وخذ كل أمرٍ من طريقه المشروع الواضح: اطلب العلم من أهله، والحقوق من وسائلها العادلة، والعبادة على هدي القرآن وسنة الرسول ﷺ. واتقِ الله باتباع أمره وترك البدع، فالفلاح في طاعته لا في تقاليد يقدّسها الناس ولم يشرعها الله.

2|190|وَقَـٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ

قاتل في سبيل الله قتالًا مشروعًا منضبطًا مَن يقاتل المسلمين، ولا تجعل دفع العدوان بابًا للظلم أو سفك الدماء بغير حق. وليكن القتال لإعلاء كلمة الله، وتحكيم شرعه، وحماية الدين والنفوس، ودفع المعتدين، وكسر شوكتهم، وردع من يحارب الإسلام وأهله؛ لا لانتقامٍ شخصي، أو تسلّطٍ دنيوي، أو طلبٍ للغنيمة والعصبية والشهرة. وليكن تحت رايةٍ شرعية، لا بمبادراتٍ فردية تفتح أبواب الفوضى وتقوّض الأمن. ولا تعتدِ على غير المقاتلين، ولا تقتل طفلًا، ولا امرأةً أو عاجزًا ممن لا يشاركون في القتال، ولا تغدر، أو تمثّل بالقتلى، أو تُسئ إلى أسير، أو تُفسد مالًا أو زرعًا بغير ضرورةٍ معتبرة. فإذا كفّ العدو حقيقةً عن القتال، وزال عدوانه بعد ردعه وكسر شوكته، وأصبح منهزمًا عاجزًا عن استئناف حربه، فلا تواصل قتاله؛ فالمقصود ردّ العدوان، وتعطيل قدرة المعتدي على استئنافه أو تكراره مستقبلًا، وتأمين المسلمين، وفتح الطريق للدعوة إلى الله بحريةٍ بالحكمة والموعظة الحسنة، لا مواصلة سفك الدم بعد زوال سببه. واضبط قوتك بحكم الله؛ فالنصر لا يبيح الحرام، والله لا يحب المعتدين، ولو زعموا نصرة دينه.

2|191|وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ ۚ وَلَا تُقَـٰتِلُوهُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ فَإِن قَـٰتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَـٰفِرِينَ

قاتل المحاربين الذين يطاردون المسلمين ويفتنونهم عن دينهم قتالًا شرعيًّا حاسمًا، ولا تعمِّم حكمهم على مسالمٍ أو غير مقاتل. فقد أُمر المسلمون بقتال مشركي مكة المحاربين حيث ظفروا بهم في ميدان الحرب، وبإخراجهم من الموضع الذي أخرجوا المسلمين منه؛ جزاءً لعدوانهم، لا انتقامًا منفلتًا من شرع الله. واعلم أن إكراه المؤمنين على الكفر، وتعذيبهم، وصدَّهم عن عبادة الله، وإخراجهم من ديارهم بسبب إيمانهم، فتنةٌ أشدُّ جرمًا وفسادًا من قتل المعتدين في القتال المشروع؛ ولذلك شُرع القتال لإزالة هذا الاضطهاد وكسر شوكة أهله، وتمكين المسلمين من عبادة الله آمنين، وفتح الطريق لتبليغ الإسلام للناس أجمعين، ليعتنقه من اختاره عن قناعةٍ وطوعٍ لا عن إكراه، فلا إكراه في الدين. ولم يشرع القتال لأن سفك الدم مقصودٌ لذاته. وعظِّم حرمة المسجد الحرام، فلا تبدأ فيه قتالًا ولو لقيت عدوك، فإن انتهك المحاربون حرمته وبدؤوا المسلمين بالقتال فيه، فادفعهم بالقوة اللازمة، ملتزمًا حدود الله مستهدفًا المقاتلين دون سواهم، بلا غدرٍ أو تجاوز؛ فهذا جزاء أولئك الكافرين المحاربين المعتدين، وليس إذنًا بقتل كل كافر.

2|192|فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

اقبل انتهاء المحاربين الصادق عن القتال والفتنة والصدّ عن دين الله، ولا تجعل ما سبق من عدوانهم ذريعةً لمواصلة سفك الدم بعد زوال سببه. فإذا كفّوا أيديهم، وأوقفوا اضطهاد المسلمين وإخراجهم من ديارهم، وظهر صدق رجوعهم لا مجرد خدعةٍ عسكرية، وجب وقف قتالهم وحفظ دمائهم، مع اتخاذ السلطة الشرعية ما يلزم للتحقق من الأمن ومنع تجدد العدوان. وافتح للتائب باب الرجوع إلى الله، ولا تقنّطه بسبب جرائم ماضيه؛ فمن ترك الكفر والعدوان، وأسلم لله، وأصلح ما استطاع، فإن الله يغفر له برحمته ما سلف. ولا تجعل القوة وسيلةً لتصفية الأحقاد الشخصية؛ فغاية القتال المشروع إزالة الفتنة وتأمين عبادة الله، فإذا تحققت الغاية عاد الحكم إلى السلم والعدل، وبقي الحذر المشروع بلا ظلمٍ أو غدر.

2|193|وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌۭ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟ فَلَا عُدْوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ

قاتل تحت رايةٍ شرعية حتى تزول فتنة المسلمين عن دينهم، وينكسر سلطان من يصدّ عن سبيل الله، ولا تجعل القتال وسيلةً لإكراه القلوب أو استباحة المسالمين. فغايته إنهاءُ اضطهاد الكافرين المحاربين للمسلمين، وكفُّهم عن صدِّ الناس عن سبيل الله بالقوة. وتمكين عبادة الله وتحكيم شرعه، وفتح الطريق للدعوة إلى الإسلام ليقبله من شاء عن بصيرةٍ وطوع، لا انتزاع إيمانٍ لا يصح بالإكراه. واستمر في دفع المحاربين ما دامت فتنتهم وعدوانهم قائمين، حتى يأمن المسلمون على دينهم وأنفسهم، ويخلص الخضوع والعبادة لله، ولا تكون قوةٌ باغية تحول بين الناس وبين سماع الحق واتباعه. فإذا انتهى المعتدون عن فتنة المسلمين وصدِّ الناس عن سبيل الله وقتالهم، وكفّوا عدوانهم بما يثبت أمن المسلمين، فأوقف القتال ولا تتجاوز عليهم؛ إذ لا عقوبة بعد زوال سببها إلا على من استمر في الظلم والعدوان على المسلمين. واضبط استعمال القوة بالعدل والحكمة، ولا تُبقِ عداوةً أو قتالًا بعد زوال سببه وأمر الله بالكف.

2|194|ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَـٰتُ قِصَاصٌۭ ۚ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُوا۟ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ

رُدَّ العدوان بمثله، ولا تتجاوز قدره، ولا تجعل انتهاك العدو للحرمات ذريعةً لتجاوز حدود الله. فإذا قاتلك المعتدون في الشهر الحرام، أو انتهكوا حرمةً مصونة، جاز للسلطة الشرعية ردُّهم بالمثل ودفع شرهم، من غير زيادةٍ في القتل أو التخريب أو العقوبة؛ فالمماثلة هنا عدلٌ وقصاص، لا إذنٌ بابتداء الظلم. ولا يحملنّك الغضب أو طلب التشفي على استهداف غير المعتدي، أو تجاوز ما تقتضيه حماية المسلمين وردع العدو، أو استمرار القتال بعد زوال سببه. وقِس كل ردٍّ بميزان الشرع والضرورة والقدرة، لا باندفاع النفس أو ضغط الجماعة، واحفظ للحرمات مكانتها ما حفظها خصمك، ولا تسمح باستغلالها لإضعاف المسلمين. واتقِ الله في القوة كما تتقيه في الضعف؛ فمعيته الخاصة بالنصر والتأييد للمتقين الذين يلتزمون أمره عند الشدة، ولا يبرّرون الحرام أو تجاوز حدود الله بدعوى ردِّ العدوان بعد ردعه وزوال خطره.

2|195|وَأَنفِقُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلْقُوا۟ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوٓا۟ ۛ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ

ابذل مالك وقدرتك في نصرة دين الله، ولا تهلك نفسك وأمتك بالبخل أو التهور أو ترك الأسباب. فأنفق على الجهاد المشروع، والدعوة، وإغاثة المحتاجين، وسائر مصالح المسلمين، ولا تحبس المال حتى تضعف القوة ويستفحل العدوان، ولا تبدّده في الحرام أو الرياء. ولا تُلقِ بنفسك إلى خطرٍ غالبٍ بلا مصلحةٍ شرعية أو إعدادٍ معتبر؛ فالشجاعة طاعةٌ منضبطة، وليست اندفاعًا أعمى، كما أن الخوف لا يبرّر ترك الواجب. وخذ بأسباب السلامة والعلاج والرزق، ولا تستسلم لما يفسد دينك أو بدنك أو أهلك، ولا تجعل التوكل ذريعةً لإهمال ما أمرك الله به. وأحسن في نيتك، واختيار موضع نفقتك، وأداء واجبك، وزد على الحد الأدنى بما ينفع دون إسراف؛ فالله يحب المحسنين الذين يجمعون الإخلاص وصواب العمل وبذل الخير.

2|196|وَأَتِمُّوا۟ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ ۖ وَلَا تَحْلِقُوا۟ رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْىُ مَحِلَّهُۥ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِۦٓ أَذًۭى مِّن رَّأْسِهِۦ فَفِدْيَةٌۭ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍۢ ۚ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ ۚ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍۢ فِى ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌۭ كَامِلَةٌۭ ۗ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُۥ حَاضِرِى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

أتمم الحج والعمرة خالصين لله ملتزمًا أحكامهما، ولا تتحلل من الإحرام أو تتصرف في المناسك بحسب الهوى. فإذا منعك عدوٌّ أو مرضٌ أو عائقٌ معتبر من إتمام النسك، فاذبح ما تيسّر من الهدي وفق الحكم الشرعي، ولا تحلق رأسك حتى يبلغ الهدي موضعه المعتبر. وإن اضطررت إلى الحلق لمرضٍ أو أذى في الرأس، فأدِّ الفدية المشروعة: صيامًا أو صدقةً أو ذبحًا، بحسب تفصيل السنة. وإذا أمنت وتمتعت بالعمرة إلى الحج، فأهدِ ما تيسّر، فإن عجزت فصم ثلاثة أيام في الحج وسبعةً بعد رجوعك؛ عشرةً كاملة، وهذا الحكم لغير حاضري المسجد الحرام. وتعلّم أحكام نسكك قبل الشروع فيه، واسأل أهل العلم الموثوقين عند الاشتباه، ولا تتهاون في الحدود أو الفدية؛ واتقِ الله، فإن مخالفته بعد قيام الحجة تعرّض للعقاب الأليم الشديد.

2|197|ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌۭ مَّعْلُومَـٰتٌۭ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى ٱلْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا۟ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ ۚ وَٱتَّقُونِ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ

أحرم بالحج في أشهره المعلومة، وطهّر نسكك من الشهوة المحرّمة والمعصية والخصومة التي تُفسد روح العبادة. فإذا ألزمت نفسك بالحج، فاجتنب الجماع ومقدّماته وألفاظه، واترك الفسوق كله، ولا تدخل في جدالٍ عقيم أو مشاحنةٍ تؤذي الحجاج وتُذهب السكينة؛ واضبط لسانك ونظرك وغضبك، وأدِّ المناسك على هدي النبي ﷺ. ولا تستصغر معروفًا تفعله؛ فأعن الضعيف، وارفق بالناس، واحفظ النظام والحقوق، فإن الله يعلم كل خيرٍ وإن خفي عن الخلق. وخذ لسفرك من الطعام والمال والدواء وما تحتاجه، ولا تتكل على سؤال الناس أو تعرّض نفسك للضياع، واجعل أعظم زادك تقوى الله: إخلاص النية، وامتثال الأمر، واجتناب المعصية في السر والعلن. واستعمل عقلك في مراقبة عاقبتك؛ فالحج ليس انتقالًا بالجسد فحسب، بل تدريبٌ على طاعة الله حتى بعد الرجوع.

2|198|لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا۟ فَضْلًۭا مِّن رَّبِّكُمْ ۚ فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَـٰتٍۢ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ ۖ وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ

اطلب رزق الله بالحلال ولو في موسم الحج، ولا تجعل التجارة تشغلك عن المناسك وذكر المنعم سبحانه. فلا حرج أن تبيع أو تشتري أو تعمل ما دام قصد الحج صحيحًا، والكسب مشروعًا، والعبادة محفوظةً من التقصير والرياء؛ وانسب ما يأتيك من رزقٍ إلى فضل ربك، لا إلى مهارتك وحدها. فإذا نزلت من عرفات بعد الوقوف المشروع، فاتجه مع الحجيج إلى مزدلفة، واذكر الله عند المشعر الحرام بالتلبية والدعاء والتكبير والصلاة، ملتزمًا هدي النبي ﷺ، لا عادات الجاهلية أو المباهاة بالأنساب والمنازل. واستحضر أن الله هو الذي هداك إلى التوحيد والنسك الصحيح بعد أن كان الناس قبل هذه الهداية في ضلالٍ عن طريقه؛ فاشكره بقلبك ولسانك وجوارحك، ولا تنسب الهداية إلى ذكائك أو نسبك، وحافظ على أثرها بعد انقضاء الحج.

2|199|ثُمَّ أَفِيضُوا۟ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسْتَغْفِرُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

الزم هدي النبي ﷺ في المناسك، ولا تجعل النسب أو المكانة أو العادة ذريعةً لمخالفة شرع الله أو الترفّع على المسلمين. فقد كانت قريش تقف بالمزدلفة وتترك الوقوف بعرفات تعاظمًا لحرمة الحرم، فأُمرت أن تقف بعرفات ثم تفيض منها مع سائر الحجيج؛ فساوِ نفسك بالناس في عبادة الله، ولا تطلب لنفسك امتيازًا لم يأذن به الشرع. واتبع جماعة المسلمين في النسك الصحيح، ولا تنفرد بطريقٍ مبتدعٍ طلبًا للتميّز أو الشهرة. وبعد إتمام الوقوف والإفاضة وسائر الطاعات، أكثر من الاستغفار؛ فلا تغتر بعبادتك، ولا تظن أنك أديتها بلا نقص، بل اعترف بتقصيرك واسأل الله أن يتجاوز عنه ويتقبّل منك. واجعل الاستغفار خاتمةً لأعمالك الصالحة، مقرونًا بإصلاح الخلل وترك الذنب؛ فإن الله واسع المغفرة والرحمة لمن رجع إليه صادقًا.

2|200|فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـٰسِكَكُمْ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًۭا ۗ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُۥ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍۢ

أكثِر من ذكر الله بعد تمام عبادتك، ولا تستبدل بحمده الفخرَ بالآباء والأنساب أو الانشغالَ الخالص بالدنيا. فإذا فرغت من مناسك الحج، فداوم على التكبير والتحميد والدعاء، واستحضر أن توفيقك للنسك وهدايتك إليه من فضل الله وحده، فلا تنسب الكمال إلى نفسك ولا تجعل ختام الطاعة غفلةً أو مباهاة. وتحرّر من عادات الجاهلية التي كانت تجعل مجالس ما بعد الحج لتمجيد الأسلاف والتفاخر بالمناقب؛ فليكن أعظم ما يجري على لسانك تعظيم الله وشكره والثناء عليه. ولا تحصر دعاءك في المال والصحة والجاه والنجاح العاجل، كأن الدنيا هي الغاية؛ فمن لم يطلب إلا حظها ولم يعمل للآخرة عرّض نفسه للحرمان منها. واجعل كل نعمةٍ دنيوية وسيلةً لطاعة الله، ووازن طلبك بما ينفعك عند لقائه، واعلم أن نعيم الدنيا مهما عظم فهو زائل، ونعيم الجنة أعظم وخالد باقي.

2|201|وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةًۭ وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةًۭ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ

اجمع في دعائك وعملك بين صلاح الدنيا وفوز الآخرة، ولا تطلب نعمةً عاجلةً تُبعدك عن الله أو تنتهي بك إلى النار. فاسأل ربك رزقًا حلالًا مباركًا، وصحةً وعلمًا نافعًا، وأسرةً صالحةً، وعملًا مستقيمًا، وقلبًا مطمئنًّا يعينك على طاعته؛ ولا تجعل كثرة المال أو الجاه هي الحسنة إن أفسدت دينك. واسأله في الآخرة المغفرة والرضوان والنجاة ودخول الجنة، واعمل لهذه المطالب بالإيمان والإخلاص والفرائض وترك المحرمات وردّ الحقوق. ولا تكتفِ بطلب الوقاية من النار بلسانك وأنت تقيم على أسبابها؛ بل بادر إلى توبةٍ صادقة، واقطع الذنب، وأصلح ما أفسدت، واستعذ بالله من الفتن وسوء الخاتمة. ووازن قراراتك بهذا الدعاء الجامع: خذ من الدنيا ما يصلحك للآخرة، واترك ما يزين عاجلك ويهدم مصيرك.

2|202|أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌۭ مِّمَّا كَسَبُوا۟ ۚ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ

اجعل دعاءك الصالح مقرونًا بعملٍ يصدّقه، ولا تنتظر نصيب الدنيا والآخرة بأمانيّ خاليةٍ من السعي والطاعة. فاطلب الحسنة من الله، ثم خذ بأسبابها المشروعة: أتقن عملك، والتمس الرزق الحلال، وأدِّ الفرائض، واجتنب المعاصي، وأصلح نيتك وعلاقاتك وحقوق الناس؛ فإن لك نصيبًا مما كسبت بإذن الله وفضله. ولا تنسب ما تناله إلى جهدك وحده؛ فالله هو الذي أعان ووفّق وقَبِل، والعمل سببٌ لا يستقل بإيجاد الجزاء، والنجاة برحمته سبحانه مع الإيمان والعمل الصالح. ولا تؤخر التوبة أو ردَّ المظالم ظنًّا أن الحساب بعيد؛ فالله سريع الحساب، لا يشغله أحدٌ عن أحد، ولا يخفى عليه عملٌ أو قصد. فزِن يومك قبل أن يُوزن عليك، وقدّم لنفسك ما يسرّك أن تلقاه.

2|203|۞ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ فِىٓ أَيَّامٍۢ مَّعْدُودَٰتٍۢ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ

أكثِر من ذكر الله في أيام التشريق المعدودات، ولا تجعل فراغك بعد الحج غفلةً أو انشغالًا بالطعام واللهو عن شكره. فكبِّره عقب الصلوات وفي سائر الأوقات المشروعة، واستحضر نعمة الهداية وإتمام النسك، واجعل الذكر حاضرًا في قلبك ولسانك وسلوكك. ولك أن تتعجّل فتغادر منى بعد رمي الجمرات في اليوم الثاني عشر قبل الغروب، أو تتأخر إلى اليوم الثالث عشر؛ فكلاهما رخصةٌ مشروعة لمن اتقى الله وأدّى المناسك كما أمر، فلا تحتقر من أخذ بإحداهما ولا تجعل الأطول وحده دليلًا على مزيد التقوى. واحذر أن تتحول الرخصة إلى تهاون، أو العبادة إلى عادةٍ بلا خشيةٍ وإخلاص. واتقِ الله في حجك وبعده، واعلم أنك ستُحشر إليه وحدك، فاحمل من الموسم زادًا يبقى أثره في طاعتك ومعاملاتك بعد الرجوع.

2|204|وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُۥ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ

لا تنخدع بحلاوة قول إنسان وادّعائه أن الله شاهدٌ على صِدق ما في قلبه، واحكم على الناس بصدق أعمالهم، لا بجمال أقوالهم، فالرجال أفعال. فقد يُظهر المرء النصح والمحبة، ويُشهد الله على إخلاص قلبه، وهو في الحقيقة شديد العداوة، ماهرٌ في تحريف الكلام والمخاصمة بالباطل. فتثبّت قبل أن تمنح ثقتك أو تسلّم مالك وقرارك لمن يجيد التأثير فيك، وراقب توافق أقواله مع أفعاله، وموقفه عند الاختلاف، وأمانته حين تتعارض مصلحته مع الحق. ولا تستعمل اسم الله لتزكية نفسك أو تغطية كذبك؛ فالله يعلم خفايا القلوب، ولا تنفع أمامه البلاغة ولا الادعاءات. وإذا خاصمت فاطلب الحق، واعترف بخطئك، ولا تلجأ إلى المراوغة أو التشهير أو قلب الحقائق لتغلب خصمك؛ فحدة الجدل ليست دليلًا على الصواب، وإنما تظهر حقيقة الأخلاق عند النزاع.

2|205|وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ

اكشف حقيقة الناس من آثار أفعالهم، ولا تغتر بمن يزيّن كلامه ثم ينصرف إلى الإفساد. فإذا تولّى صاحب القول المعسول مسؤوليةً أو خلا إلى عمله، فانظر هل يصلح أم يفسد، ويحفظ مصالح الناس أم يدمّرها؛ فقد يسعى في الأرض لإهلاك الزروع والثروات، وتعطيل أسباب الرزق، وإفساد الأسر والذرية، وإشاعة الظلم والفتن. فلا تمنح ثقتك أو صوتك أو مالك لمن ثبت فساده، ولا تعاونه على مشروعٍ يضر بالدين أو الإنسان أو البيئة، ولو غطّاه بشعاراتٍ براقة. واحفظ أنت ما استرعاك الله عليه: لا تتلف موردًا، ولا تضيّع حقًّا، ولا تتخذ قرارًا يضر الأجيال طلبًا لمكسبٍ عاجل. وواجه الفساد بالوسائل المشروعة، وبلّغ عنه بأمانة، ولا تسكت عنه لمصلحة؛ فالله لا يحب الفساد ولا المفسدين.

2|206|وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُۥ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ

اقبل التذكير بتقوى الله ولو خالف هواك، ولا تجعل الكِبر يحملك على ردّ الحق والإصرار على الإثم. فإذا نُبّهت إلى ظلمٍ أو معصية، فتوقّف، وتثبّت من النصيحة، وارجع إلى القرآن وصحيح السنة وأهل العلم الموثوقين، ثم أصلح خطأك وردّ الحقوق ولا تهاجم الناصح لتنجو بنفسك من الاعتراف. ولا تجعل منصبك أو علمك أو كثرة أتباعك حاجزًا بينك وبين التوبة؛ فالعزة الحقيقية في طاعة الله، أما التعاظم بالباطل فذلٌّ يقود إلى الهلاك. وانصح غيرك برفقٍ ووضوح، ولا تُعيّره أو تتعالى عليه، لكن لا تسكت عن منكرٍ خوفًا من غضبه. ومن استكبر عن الحق، وأصرّ على الإفساد، ومات على الكفر والنفاق الأكبر، فحسبه جهنم وبئس المستقر؛ أما المسلم العاصي فلا يُحكم له بالخلود لمجرد معصيته.

2|207|وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ رَءُوفٌۢ بِٱلْعِبَادِ

ابذل نفسك ومالك ووقتك ابتغاء مرضاة الله، ولا تجعل راحتك أو مصلحتك العاجلة أغلى من طاعته ونصرة الحق. فقد يترك المؤمن وطنًا أو مالًا، ويتحمّل الأذى، ويقدّم ما يحب ليحفظ دينه ويؤدي واجبه، كما يفعل من يبيع نفسه لله فلا يطلب بعمله مدحًا أو شهرةً أو مكسبًا دنيويًّا. واجعل هذا البذل منضبطًا بشرع الله؛ فلا تعرّض نفسك للهلاك بغير مصلحةٍ معتبرة، ولا تسمِّ التهور تضحيةً، بل قدّم ما تستطيع حيث يكون النفع راجحًا والطريق مشروعًا. وفي يومك ضحِّ بهواك عند المعصية، وببعض مالك للمحتاج، ووقتك لخدمة أهلك ودينك، ومكانتك لنصرة مظلوم، ولا تتراجع حين تكون كلفة الحق محتملة. وثق برأفة الله بعباده؛ فما تبذله له لا يضيع، وهو أرحم بك من نفسك.

2|208|يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱدْخُلُوا۟ فِى ٱلسِّلْمِ كَآفَّةًۭ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۚ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ

ادخل في الإسلام كلِّه، ملتزمًا هديه وجميع أوامره، مجتنبًا جميع نواهيه، دون انتقاءٍ أو استثناء. فلا تأخذ من أوامر الله ما يوافق هواك وتترك ما يشقّ عليك. فالتزم عقيدة الإسلام وعباداته وأخلاقه وأحكامه في السر والعلن، واجعل صلاتك ومالك وعلاقاتك وقراراتك كلها خاضعةً لله، ولا تفصل بين الدين والحياة أو بين العبادة والمعاملة. واحذر خطوات الشيطان؛ فهو لا يجرّك غالبًا إلى المعصية دفعةً واحدة، بل يبدأ بتسويغٍ صغير، وتأخير توبة، وتساهلٍ في واجب، ثم ينقلك إلى ما هو أشد. فاقطع الطريق من أوله، ولا تصاحب سببًا يضعف قلبك أو يزيّن لك الحرام، وارجع عند الاشتباه إلى القرآن وصحيح السنة وأهل العلم الموثوقين. واعلم أن الشيطان عدوٌّ ظاهر العداوة، فلا تتخذه ناصحًا باتباع الهوى، ولا تأمن مكره ولو بدا لك طريقه سهلًا أو محبوبًا.

2|209|فَإِن زَلَلْتُم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

اثبت على الإسلام بعد وضوح براهينه، ولا تنحرف عن شيءٍ من هديه استجابةً لهوى أو ضغطٍ أو شبهة. فإذا بلغك حكم الله بدليله، فلا تستبدل به رأيًا يوافق مصلحتك، ولا تجعل العلم حجةً عليك بالإعراض عن العمل؛ بل زن أقوالك وقراراتك بالقرآن وصحيح السنة، واسأل أهل العلم الموثوقين فيما أشكل عليك. وإن زللت، فلا تُصرّ أو تبرّر خطأك، بل بادر إلى التوبة، واترك الذنب، وأصلح أثره، وردّ الحقوق إلى أصحابها. واحذر أن تقودك خطوةٌ صغيرة إلى انحرافٍ أكبر بعد قيام الحجة؛ فكلما ازداد البيان وجب أن يزداد امتثالك. واعلم أن الله عزيزٌ لا يعجزه من خالف أمره، حكيمٌ في شرعه وقضائه وجزائه؛ فلا أمن من عقابه مع الإصرار، ولا نجاة إلا بالرجوع الصادق إليه.

2|210|هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِى ظُلَلٍۢ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ ۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ

بادر إلى الاستجابة لله قبل مجيء يوم الفصل، ولا تؤخّر الإيمان والطاعة انتظارًا لآيةٍ قاهرةٍ لا ينفع التصديق بعدها. فالله سبحانه يأتي يوم القيامة إتيانًا يليق بجلاله، من غير تكييفٍ ولا تمثيل، وتأتي الملائكة، ويُقضى بين العباد بالعدل، فلا يبقى حينئذٍ مجالٌ لتوبةٍ أو استدراك. فلا تجعل وضوح الحق سببًا لمزيدٍ من التسويف، ولا تنتظر مرضًا أو موتًا أو كارثةً توقظك؛ بل راجع عقيدتك وعبادتك وحقوق الناس اليوم، وأقلع عن الذنب، وردّ المظالم، وأصلح ما أفسدت قبل أن يُحسم الأمر. وإذا التبس عليك شيءٌ من صفات الله، فأثبته كما جاء في القرآن وصحيح السنة على الوجه اللائق بكماله سبحانه، بلا تحريفٍ أو تعطيلٍ أو تشبيه. واعلم أن جميع الأمور ترجع إلى الله وحده، فاجعل حكمه مرجعك ولقاءه غايتك.

2|211|سَلْ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ كَمْ ءَاتَيْنَـٰهُم مِّنْ ءَايَةٍۭ بَيِّنَةٍۢ ۗ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

احفظ نعمة الهداية بتصديق الحق، والعمل به، والثبات عليه، ولا تبدّلها بالكفر أو التحريف أو الإعراض بعد قيام الحجة. فتأمّل ما آتى الله بني إسرائيل من الآيات البيّنات الدالة على صدق رسله، ثم اتّعظ بما وقع من الذين جحدوا أو حرّفوا أو عصوا بعد وضوح الحق، من غير أن تعمّم ذلك على كل فردٍ منهم. وإذا بلغك القرآن وصحيح السنة، فلا تستبدل حكم الله بهوى النفس أو تقليد الناس أو منفعةٍ عابرة، ولا تجعل اعتياد النعمة يطفئ شعورك بعظمتها. واشكر نعمة الإسلام بتعلّم أحكامه، والعمل بها، والثبات عليها، وتعليمها بالحكمة، واحذر أن تستخدم العلم أو المال أو المنصب في صدّ الناس عن الحق. ومن زلّ فليبادر إلى التوبة والإصلاح قبل الإصرار؛ فإن تبديل نعمة الله بعد معرفتها جريمةٌ عظيمة، والله شديد العقاب لمن قامت عليه الحجة ثم أعرض مستكبرًا.

2|212|زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۘ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍۢ

لا تجعل زينة الدنيا ميزانَ الكرامة، ولا يحملنّك بريق المال والجاه على احتقار المؤمنين أو السخرية من تمسّكهم بدينهم. فقد تُزيَّن الحياة الدنيا للذين كفروا حتى يروا متاعها غايةً، ويظنّوا أن تفوقهم المادي دليلٌ على الصواب، فيستهزئ بعضهم بأهل الإيمان لفقرهم أو استقامتهم؛ فلا تتشبّه بهم، ولا تستحِ من طاعة الله أمام سخرية أحد. والزَم التقوى بخشية الله، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه؛ فالمتقون فوق الكافرين يوم القيامة منزلةً وكرامةً، ولو بدا ميزان الدنيا معكوسًا. واسعَ في الرزق الحلال، ولا تحسد من وُسِّع عليه؛ فالله يرزق من يشاء بفضله وحكمته بغير حساب، وقد يكون العطاء ابتلاءً لا تكريمًا. فاجعل غناك في الإيمان، واستعمل ما رزقك الله في طاعته، ولا تبع آخرتك لتنال إعجابًا زائلًا.

2|213|كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ ۚ وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِمَا ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ مِنَ ٱلْحَقِّ بِإِذْنِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍ

اجعل وحيَ الله هو الحاكمَ عند الاختلاف، ولا تجعل الهوى أو التعصّب أو المصلحة أقوى من الحق بعد ظهوره. فقد كان الناس على أصلٍ واحد وهو الإيمان، ثم اختلفوا فضلوا وأضلوا، فبعث الله النبيين مبشّرين بالنعيم ومنذرين بالعذاب، وأنزل معهم الكتب بالحق ليفصل وحيه بين الناس؛ فآمن بجميع رسله، واتبع اليوم القرآن وصحيح سنة محمد ﷺ، فهما المرجع الحاكم بعد بعثته. وإذا تنازعتم في عقيدةٍ أو عبادةٍ أو حقٍّ أو معاملة، فاطلبوا الدليل بفهمٍ صحيح، واسألوا أهل العلم الموثوقين، ولا تحرّفوا النصوص لتأييد موقفٍ سابق. واحذر أن يكون اختلافك بعد البيان طلبًا للعلو أو انتصارًا للنفس؛ فكثيرٌ من الانقسام ينشأ من البغي لا من غموض الحق. واسأل الله الهداية، وخذ بأسبابها من إخلاصٍ وتجرّدٍ وعمل؛ فهو وحده يهدي من يشاء إلى الصراط المستقيم.

2|214|أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُوا۟ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ ۗ أَلَآ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌۭ

اثبت على الإيمان عند الشدائد، ولا تظن أن طريق الجنة يخلو من الابتلاء والتمحيص. فقد أصاب المؤمنين من الأمم السابقة فقرٌ وخوفٌ وأذى، واشتدت بهم المحن حتى زُلزلوا زلزالًا شديدًا، فدعوا الله مستغيثين، ولكن مستبطئين الفرج لشدة ما نزل بهم، مع ثباتهم على دينه. فإذا قدّر الله عليك ما يشقّ على النفس، فلا تيأس، ولا تترك الطاعة، ولا تتهم وعده، بل الزم الصلاة والدعاء والصبر، وخذ بالأسباب المشروعة، وتعاون مع المؤمنين على دفع الضرر ونصرة الحق. ولا تجعل تأخر ما ترجوه دليلًا على البعد عن رحمة الله؛ فقد يأتي النصر بعد بلوغ الشدة غايتها، في الوقت الذي تقتضيه حكمته سبحانه. فتهيّأ للجنة بصدق الإيمان والعمل والثبات، واستحضر أن نصر الله قريب، وإن خفي عليك موعده وصورته.

2|215|يَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ ۖ قُلْ مَآ أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍۢ فَلِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌۭ

أنفق من المال الحلال في وجوه الخير، وابدأ بالأقرب إليك حقًّا والأشدِّ حاجةً، ولا تطلب الأبعد وتُهمِل من تجب رعايته حولك. فأدِّ نفقة والديك المحتاجين، وأحسن إليهما من أطيب مالك، ثم صِل أقاربك، وراعِ اليتامى، وأطعم المساكين، وأعن المسافر المنقطع عن ماله؛ مقدِّمًا الأشد حاجةً والأقرب حقًّا، من غير إسرافٍ أو منٍّ أو أذى. ولا تجعل صدقتك وسيلةً للشهرة أو شراء الولاء أو استغلالاً لحاجات الناس، ولا تنفق مالًا خبيثًا أو تعطي ما لا ترضاه لنفسك، بل ابتغِ وجه الله وتحرَّ موضع النفع الحقيقي. ونظّم من دخلك نصيبًا ثابتًا للخير بعد أداء الحقوق الواجبة، وتثبّت من حاجة من تعطيه، واحفظ كرامته وسرَّه. واعلم أن كل خيرٍ تفعله يعلمه الله، وإن خفي عن الناس، فلا تنتظر ثناءهم ولا تستصغر القليل الصادق؛ فالقليل النافع خيرٌ من عدم العطاء.

2|216|كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌۭ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ شَرٌّۭ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

أدِّ ما أوجبه الله وإن شقّ على نفسك، ولا تجعل ميلك أو نفورك حكمًا على الخير والشر. فقد فُرض القتال المشروع لما فيه من حماية الدين والنفوس وردع المعتدين، مع ما يكرهه الإنسان بطبعه من الخوف والألم وفراق الأهل؛ فليكن تحت رايةٍ شرعية ووفق حدود الله، لا اندفاعًا فرديًّا أو عدوانًا. وطبّق هذا الميزان في سائر حياتك: قد تكره طاعةً أو مسؤوليةً أو علاجًا أو قرارًا عادلًا، ويجعل الله فيه خيرًا لك، وقد تحب مالًا أو منصبًا أو علاقةً أو لذةً عاجلة، ويكون فيها فساد دينك أو دنياك. فلا تتبع الشعور وحده، بل اعرض اختياراتك على الوحي، واستشر أهل العلم والخبرة، وخذ بالأسباب، ثم سلِّم لحكمة الله؛ فهو سبحانه يعلم حقائق الأمور وعواقبها، وأنت لا تحيط بها علمًا.

2|217|يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍۢ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌۭ فِيهِ كَبِيرٌۭ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌۢ بِهِۦ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِۦ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ ۚ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ ٱسْتَطَـٰعُوا۟ ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌۭ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ

عظِّم حرمة الشهر الحرام، ولا تجعل خطأً وقع من المسلمين ذريعةً لتبرئة الكافرين المحاربين من جرائمهم الأشد. فالقتال فيه ذنبٌ عظيم، لكن صدَّ الناس عن سبيل الله، والكفر به سبحانه، ومنع المسلمين من المسجد الحرام، وإخراج أهله المؤمنين منه، واضطهادهم ليرتدّوا عن دينهم، أعظم عند الله؛ فزِن الأفعال بميزان الشرع، ولا تسمح للدعاية أن تضخّم مخالفةً لتستر ظلمًا أوسع. واحذر عداوة من لا يزال يقاتل المسلمين ليصرفهم عن الإسلام إن استطاع سراً وجهراً، فاحمِ دينك بنفسك ومالك ووقتك، وتحصّن بالعلم والصحبة الصالحة والثبات، ولا تبع يقينك تحت ضغط الخوف أو المصلحة. ومن ارتدّ عن الإسلام ثم مات على الكفر حبط عمله في الدنيا والآخرة وكان من الخالدين في النار؛ فلا تؤخّر التوبة إن زللت، واسأل الله الثبات حتى تلقاه مؤمنًا، ولا تتوانَ أو تبخل أو تجبن عن الدفاع المشروع عن دينك وأهله. والأشهر الحُرُم أربعة: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرَّم، ورجب.

2|218|إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أُو۟لَـٰٓئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

اجمع صدق الإيمان وبذل السبب، ولا تجعل رجاء رحمة الله أمانيَّ بلا طاعةٍ وتضحية. فاثبت على دينك، وهاجر من موطن الفتنة إذا عجزت فيه عن إقامة دينك واستطعت الانتقال، واهجر في كل حالٍ المعصية ورفقة السوء والبيئة التي تصرفك عن الله. وجاهد في سبيله بنفسك ومالك ووقتك وعلمك، ملتزمًا شرعه؛ فانصر الحق، وادفع العدوان تحت رايةٍ شرعية، وادعُ إلى الإسلام بالحكمة، وجاهد هواك على أداء الواجب واجتناب الحرام. ولا تَمُنَّ بعملك أو تجزم لنفسك بالقبول؛ فالمؤمن يعمل ويُحسن، ثم يرجو رحمة ربه ويخشى تقصيره. وإن زللت فبادر إلى التوبة والإصلاح، ولا تيأس من كثرة ذنوبك؛ فالله غفورٌ لمن رجع إليه صادقًا، رحيمٌ بعباده، وبرحمته يكون القبول والنجاة.

2|219|۞ يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌۭ كَبِيرٌۭ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ۗ وَيَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ

اجتنب الخمر والميسر، ولا تغترَّ بمنفعةٍ مالية أو لذةٍ عابرة إذا كان إثمها وضررها أعظم. فالخمر تفسد العقل والدين والصحة والأسرة، والميسر يبني الكسب على المخاطرة المحرّمة وأكل أموال الناس بالباطل، ويورث الإدمان والعداوة وضياع المسؤوليات؛ فلا تشرب مسكرًا، ولا تتاجر فيه أو تعين عليه، ولا تدخل في قمارٍ أو رهانٍ محرّم، ولو سُمّي لعبةً أو استثمارًا أو تسليةً أو قتلًا للوقت؛ فوقتك هو عمرك، ومن أضاعه فيما لا يرضي الله فقد أضاع جزءًا من حياته فيما يضرّه ولا ينفعه. وقِس قراراتك بميزان العاقبة، لا ببريق الربح العاجل؛ فوجود بعض المنفعة لا يجعل الحرام مباحًا إذا غلب فساده. وأنفق من الفاضل عن حاجتك وحاجة من تعول، من غير بخلٍ أو إسرافٍ يضيّع حقوقك، واجعل للمحتاجين نصيبًا منتظمًا من مالك. وتفكّر في بيان الله حتى تتعلم وزن المصالح والمفاسد، فتختار ما يحفظ دينك وعقلك ومالك ومجتمعك.

2|220|فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ ۗ وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ۖ قُلْ إِصْلَاحٌۭ لَّهُمْ خَيْرٌۭ ۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَٰنُكُمْ ۚ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

فكّر في عواقب أعمالك في الدنيا والآخرة، وأصلح شؤون اليتامى، ولا تجعل الولاية على أموالهم طريقًا للاستغلال أو الإهمال. فاحفظ أموالهم، ونمِّها بالوسائل المأمونة، وأنفق عليهم بالمعروف، وأحسن تربيتهم وتعليمهم وإعدادهم للاستقلال، ولا تأكل من حقوقهم أو تؤخّر تسليمها إليهم بعد رشدهم. وإن احتاجت المصلحة إلى مخالطتهم في السكن أو الطعام أو المال، فخالطهم معاملة الإخوة بالرعاية والعدل، مع توثيق الحقوق ومنع الالتباس، ولا تجعل الخوف من الخطأ سببًا لعزلهم أو تعطيل مصالحهم. وراقب نيتك وعملك؛ فالله يعلم من يقصد الإصلاح ممن يستر الفساد بشعارات الرعاية. واشكر تيسير الله، إذ لم يكلّفك فصلًا يشقّ عليك، والتزم حكمته في كل تصرّف؛ فالله عزيزٌ لا يُغالَب، حكيمٌ في تشريعه وتيسيره لعباده، لا تخفى عليه خافية، ولا يخرج أحدٌ عن ملكه وسلطانه.

2|221|وَلَا تَنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌۭ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌۭ مِّن مُّشْرِكَةٍۢ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ۗ وَلَا تُنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا۟ ۚ وَلَعَبْدٌۭ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌۭ مِّن مُّشْرِكٍۢ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ ۖ وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِۦ ۖ وَيُبَيِّنُ ءَايَـٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ

قدِّم الإيمان على الجمال والمال والنسب عند اختيار الزوج، ولا تُنشئ بيتًا يهدد عقيدتك أو عقيدة أبنائك. فلا يتزوج المسلم مشركةً حتى تؤمن؛ والمؤمنة، ولو كانت أَمَةً في سياق الرق القديم، خيرٌ من مشركةٍ تعجبك بمظهرها أو مكانتها، مع بقاء حكم إباحة المحصنات من أهل الكتاب للمسلم بضوابطه الشرعية. ولا تُزوِّج المسلمةَ مشركًا ولا أيَّ غير مسلم حتى يؤمن؛ فالمؤمن، وإن كان عبدًا في ذلك السياق، خيرٌ من غير المؤمن مهما أغراك ماله أو جاهه. ولا تجعل الحب العاطفي مبررًا لتجاوز حكم الله؛ فالزواج صحبةٌ وتربيةٌ ومسارُ حياة، وقد يجرّ الشريك المخالف للإيمان إلى الكفر والمعصية والنار، بينما يدعوك الله بوحيه إلى الجنة والمغفرة. فتثبّت من الدين والخلق، واستشر أهل الحكمة، وتثبّت من دين من تُقبل على الزواج منه وخلقه بملاحظة أفعاله ومعاملاته وسؤال الثقات عنه، ولا تكتفِ بحسن كلامه أو ادعائه؛ ثم اختر من يعينك على طاعة الله ويحفظ دين الأسرة على الإسلام قولاً وفعلاً.

2|222|وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًۭى فَٱعْتَزِلُوا۟ ٱلنِّسَآءَ فِى ٱلْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ

راعِ حكم الحيض برفقٍ وطهارة، ولا تجامع زوجتك في الفرج زمن نزول الدم حتى ينقطع وتغتسل. فالحيض أذًى، وليس عيبًا في المرأة ولا سببًا لهجرها أو احتقارها؛ فأحسن عشرتها، وواصل مودتها وخدمتها، ويجوز لكما من الاستمتاع ما دون الجماع المحرّم مع اجتناب ما يوقع فيه. ولا تستعجل المعاشرة بمجرد انقطاع الدم قبل التطهّر بالغسل، فإذا طهرت واغتسلت فأتها في الموضع الذي أباحه الله وهو الفرج من القُبُل، واجتنب الدبر في كل حال. واحفظ خصوصيتها، ولا تجعل حالتها موضع سخريةٍ أو تضجر، وراعِ ما قد يصاحبها من تعبٍ وألم. فإن خالفت الحكم فاقطع الذنب، واندم، واعزم ألّا تعود، واستغفر الله؛ واجعل طهارة البدن مقرونةً بطهارة القلب والسلوك، فإن الله يحب كثيري التوبة والمتنزهين عن الأنجاس والمعاصي.

2|223|نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌۭ لَّكُمْ فَأْتُوا۟ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ۖ وَقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُمْ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُم مُّلَـٰقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ

عاشر زوجتك في موضع الحرث الذي أباحه الله، وهو الفرج من القُبُل، وبالهيئة التي تتوافقان عليها، ولا تتجاوز إلى الدبر أو تُلحق بها أذًى أو إكراهًا. فالزوجة موضع النسل وبناء الأسرة، ويجوز إتيانها في قُبلها من أي جهة، مع حفظ كرامتها وحقها في المودة وحسن المعاشرة، لا معاملتها كأداةٍ للشهوة. وقدِّم لنفسك نيةً صالحةً، وكلمةً طيبةً، ومداعبةً بالمعروف، واذكر الله بالدعاء المشروع، واطلب ذريةً صالحةً، واجعل علاقتكما سترًا وعفافًا ورحمة. ولا تفشِ أسرار الفراش، ولا تُهمِل الحقوق أو النظافة أو ما يحفظ الصحة. واتقِ الله في خلوتك كما تتقيه في علانيتك، واعلم أنك ملاقيه ومحاسَبٌ على ما استحللت وكيف استعملته؛ وبشّر المؤمنين الذين يقفون عند حدوده بالفلاح والرضوان.

2|224|وَلَا تَجْعَلُوا۟ ٱللَّهَ عُرْضَةًۭ لِّأَيْمَـٰنِكُمْ أَن تَبَرُّوا۟ وَتَتَّقُوا۟ وَتُصْلِحُوا۟ بَيْنَ ٱلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ

لا تجعل الحلف بالله عذرًا لترك البر والتقوى والإصلاح بين الناس. فإذا أقسمت ألّا تصل رحمًا، أو ألّا تعين محتاجًا، أو ألّا تصالح بين متخاصمين، فلا تتمادَ في الامتناع بحجة تعظيم اليمين؛ بل افعل الخير، واكفّر عن يمينك بالكفارة المشروعة، فالرجوع إلى الطاعة خيرٌ من الوفاء بقسمٍ يصدّ عنها. ولا تُكثر الحلف في كل شأن، ولا تستعمل اسم الله لتثبيت خصومةٍ أو تبرير قطيعةٍ أو الضغط على الناس؛ فاسم الله أعظم من أن يُجعل ستارًا للهوى. وإذا حلفت على ترك معصيةٍ أو أداء واجب، فاثبت على طاعة الله ولا تنقض يمينك إلا إلى ما هو خير. وراقب ألفاظك ونياتك؛ فالله سميعٌ لكل ما تقول، عليمٌ بما تقصد وتخفي.

2|225|لَّا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِىٓ أَيْمَـٰنِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌۭ

صُن لسانك عن كثرة الحلف، ولا تُحمِّل نفسك حكم يمينٍ لم يقصدها قلبك. فلا يؤاخذك الله بما يجري على اللسان عفوًا من غير قصدٍ لعقد اليمين، كقولك في معتاد الحديث: «لا والله» أو «بلى والله» دون تعمّد؛ لكن لا تتخذ العفو عن اللغو ذريعةً للاستهانة باسمه سبحانه. وإذا حلفت قاصدًا واعيًا، فاحفظ يمينك، ولا تنقضها إلا لما هو خير، مع أداء الكفارة التي شرعها الله. واحذر اليمين الكاذبة المتعمدة لتضييع حقٍّ أو تحقيق منفعة؛ فهي إثمٌ لا يمحوه مجرد التلفظ بالكفارة، بل تلزم معها التوبة الصادقة وردّ الحقوق وإصلاح الضرر. وراقب قصد قلبك قبل كلامك؛ فالله يعلم ما تعمّدت، وهو غفورٌ لمن تاب، حليمٌ لا يعاجل عباده بالعقوبة.

2|226|لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍۢ ۖ فَإِن فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

لا تجعل اليمين وسيلةً لهجر زوجتك والإضرار بها، وإذا حلفت أن تمتنع عن جماعها فراجع نفسك ولا تتركها معلّقةً بلا حق. فقد جعل الله للمُولي مدةً لا تتجاوز أربعة أشهر ليتروّى ويزيل أسباب النزاع؛ فاستعملها في الإصلاح، والحوار الصادق، وردّ المظالم، والاستعانة بأهل الحكمة عند الحاجة، لا في الإذلال أو الانتقام أو الضغط النفسي. فإن رجعت إلى زوجتك خلال المدة، فاستأنف معاشرتها بالمعروف، وأدِّ كفارة يمينك إن وجبت، وأصلح ما سبّبه هجرك من أذى، ولا تكرر الحلف كلما غضبت. واحفظ حقها في العفاف والمودة والسكن، ولا تستعمل القوامة لتضييع حقوقها. وبادر إلى الفيئة ما دام الإصلاح ممكنًا؛ فإن الله يغفر لمن رجع عن الضرر وتاب، ويرحم من أصلح وأحسن.

2|227|وَإِنْ عَزَمُوا۟ ٱلطَّلَـٰقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ

إذا تعذّر الإصلاح وعزمت الطلاق، فاحسم الأمر بالمعروف، ولا تُبقِ زوجتك معلّقةً بين زواجٍ لا تؤدَّى حقوقه وفراقٍ لا يُنجَز. فبعد استنفاد الحوار والتحكيم ووسائل الإصلاح المشروعة، أوقع الطلاق على الوجه الذي شرعه الله، في الوقت والحال المعتبرين، من غير تهديدٍ متكرر أو غضبٍ طائش أو انتقامٍ أو تشهير. وأدِّ الحقوق كاملةً، واحفظ الكرامة والأسرار، ولا تستعمل الأولاد أو النفقة أو السكن وسيلةً للإيذاء والضغط. ولا تتخذ الطلاق أول حلٍّ لكل خلاف، كما لا تجعل الخوف منه سببًا لاستمرار ظلمٍ لا يُرجى زواله. وراقب لفظك وقصدك وقرارك؛ فالله سميعٌ لما تقول، عليمٌ بما تضمر، وسيحاسبك على العدل أو الإضرار في إنهاء هذه الرابطة.

2|228|وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَـٰثَةَ قُرُوٓءٍۢ ۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِىٓ أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِى ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوٓا۟ إِصْلَـٰحًۭا ۚ وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌۭ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

التزم أحكام العدّة والرجعة بالصدق والعدل، ولا تجعل الطلاق طريقًا للتلاعب بالحقوق أو الإضرار بالطرف الآخر. فعلى المطلّقة المدخول بها أن تنتظر ثلاثة قروء، أي ثلاث حيضات عند فريقٍ من الفقهاء، وثلاثة أطهار عند فريقٍ آخر، وعليها ألّا تتزوج حتى تنقضي عدّتُها؛ فإن كانت حاملًا فعدّتُها تنتهي بوضع حملها، طال الزمن أو قصر، ولا تكتم حملًا أو حيضًا مما يتعلّق بثبوت العدّة والنسب إن كانت تؤمن بالله واليوم الآخر. وللزوج في الطلاق الرجعي أن يراجعها أثناء العدّة إذا قصد إصلاح الحياة الزوجية حقيقةً، لا إطالة أذاها أو منعها من الزواج؛ فليُظهر رجعته بوضوح، وليعاشرها بعد ذلك بالمعروف. وأدِّ للمرأة حقوقها كما تطالبها بواجباتها؛ فلها من النفقة والاحترام وحسن العشرة ما يقابل ما عليها بالمعروف. وللرجل درجةُ القوامة والمسؤولية والرجعة في هذا السياق، لا رخصةٌ للظلم أو الانتقاص؛ فالله عزيزٌ لا يُخالَف أمره، حكيمٌ في توزيع الحقوق والواجبات.

2|229|ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌۢ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌۢ بِإِحْسَـٰنٍۢ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا۟ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْـًٔا إِلَّآ أَن يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِۦ ۗ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ

اجعل الطلاق الرجعي فرصةً محسوبةً للإصلاح لا أداةً للتهديد والإضرار؛ فبعد الطلقة الأولى أو الثانية إمّا رجعةٌ بمعروفٍ ونيةٍ صادقة لإقامة الحقوق، وإمّا فراقٌ بإحسانٍ يحفظ الكرامة والمال والسر. ولا تراجع زوجتك لتطيل عدّتها أو تنتقم منها، ولا تطلّقها مرارًا لتبقيها معلّقة. ولا يحلّ لك أن تستردّ شيئًا من مهرها أو عطاياها مقابل طلاقها، أو تضغط عليها حتى تتنازل؛ إلا إذا خافت هي وزوجها ألّا يقيما حدود الله، وتعذّر استمرار العشرة، فلها أن تفتدي نفسها بالخلع في حدود العدل والشرع. فاستعن عند النزاع بأهل العلم والقضاء العادل، وأدِّ الحقوق بلا مساومةٍ أو ابتزاز. هذه حدود الله في الرجعة والطلاق والخلع، فلا تتجاوزها؛ فمن استعمل أحكام الله للإيذاء أو أكل الحقوق فقد ظلم نفسه وغيره، وعرّض نفسه لعقاب الله.

2|230|فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُۥ مِنۢ بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُۥ ۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ ۗ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ

لا تجعل الطلاق لعبةً تكرّرها ثم تطلب إبطال آثاره؛ فإذا طلّق الرجل زوجته الطلقة الثالثة، بانت منه بينونةً كبرى وحرمت عليه شرعًا، فلا تحلّ له حتى تتزوج رجلًا غيره زواجًا صحيحًا مقصودًا لذاته وبنية الدوام، ويدخل بها دخولًا حقيقيًّا. فإن انتهى ذلك الزواج بعد ذلك بطلاقٍ غير مدبَّرٍ للتحليل أو بوفاة الزوج الثاني، ثم انقضت عدّتُها، جاز لها ولزوجها الأول أن يتزوجا بعقدٍ ومهرٍ جديدين، بشرط أن يغلب على ظنهما قدرتهما على إقامة حدود الله وحسن العشرة، لا العودة إلى دائرة الإهانة والطلاق. فلا تتواطؤوا على زواجٍ صوريٍّ أو مؤقتٍ بقصد إعادتها إلى زوجها الأول؛ فهذا تحايلٌ محرّم، وليس طريقًا مشروعًا لاستباحتها. وتعلّم أحكام الطلاق قبل التلفظ به، واضبط غضبك، واستعن بأهل العلم والقضاء العادل؛ فهذه حدود الله بيّنها لمن يطلب العلم ليعمل به، لا ليتحايل عليه.

2|231|وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍۢ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًۭا لِّتَعْتَدُوا۟ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُۥ ۚ وَلَا تَتَّخِذُوٓا۟ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًۭا ۚ وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِۦ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ

إذا قاربت عدّة المطلّقة الرجعية نهايتها، فإمّا أن تراجعها بمعروفٍ وإرادةٍ صادقة للإصلاح، وإمّا أن تتركها تنقضي بإحسان، ولا تراجعها لتطيل أذاها أو تمنعها من الزواج. فإن أمسكتها فأدِّ حقوقها، وأحسن عشرتها، وأزل أسباب النزاع، ولا تجعل الرجعة أداةً للانتقام أو الابتزاز؛ ومن تعمّد الإضرار بها فقد تجاوز حدود الله وظلم نفسه قبل غيره. ولا تتخذ أحكام الطلاق والعدّة والرجعة موضع عبثٍ أو تهديدٍ متكرر، ولا تتلاعب بألفاظها ثم تطلب تعطيل آثارها. وتذكّر نعمة الله عليك إذ هداك بالإسلام، وأنزل القرآن والحكمة ليعلّماك كيف تحفظ الأسرة وتفارق بالعدل عند تعذّر بقائها؛ فارجع إليهما وإلى أهل العلم الموثوقين قبل القرار. واتقِ الله في النية والقول والتصرف؛ فهو يعلم كل ما تُظهر وما تُخفي، ولا يضيع عنده حقٌّ أو ظلم.

2|232|وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَٰجَهُنَّ إِذَا تَرَٰضَوْا۟ بَيْنَهُم بِٱلْمَعْرُوفِ ۗ ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِۦ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ۗ ذَٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

لا تمنع المطلّقة بعد انقضاء عدّتها من الزواج بمن تختاره زواجًا مشروعًا، ولا تجعل الولاية أو الغضب أو العادات وسيلةً للتحكم في حياتها. فإذا أرادت الرجوع إلى زوجها السابق بعقدٍ ومهرٍ جديدين، وتراضيا بالمعروف، وكان الزوج كفؤًا قادرًا على إقامة الحقوق، فلا يعضلها وليُّها انتقامًا منه أو تعاليًا عليها، ولا يضغط عليها لتقبل من لا تريده. وتثبّت من صلاح الزواج، وانصح بصدق، واستعن بأهل العلم عند الاشتباه، لكن لا تتجاوز النصيحة إلى المنع الظالم. وليترك الزوجان أسباب الفشل السابق، ويعقدا عزمهما على حسن العشرة والعدل. فالامتثال لهذا الحكم أزكى للنفوس، وأطهر من الأحقاد والفتنة والعلاقات المحرمة، وهو موعظةٌ لمن يؤمن بالله واليوم الآخر؛ والله يعلم ما يصلح عباده وعواقب قراراتهم، وهم لا يحيطون بذلك علمًا.

2|233|۞ وَٱلْوَٰلِدَٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ ۚ وَعَلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُۥ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةٌۢ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌۭ لَّهُۥ بِوَلَدِهِۦ ۚ وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ ۗ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍۢ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍۢ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ۗ وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ ءَاتَيْتُم بِٱلْمَعْرُوفِ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ

احفظ حقَّ الطفل في الرضاع والنفقة، ولا تجعل الخلاف بين الزوجين سببًا للإضرار به أو بأحد أبويه. فللأم أن تُرضع ولدها عامين كاملين لمن أراد إتمام الرضاعة، وعلى الأب أن يوفّر لها نفقتها وكسوتها وسائر حاجاتها بالمعروف ما دامت تُرضع ولده، بحسب قدرته ومن غير تقصيرٍ أو إضرار، ومن غير بخلٍ أو إسراف؛ فلا يكلّف الله نفسًا إلا وسعها. ولا يضرّ الأبُ الأمَّ بسبب ولدها بمنع نفقتها أو انتزاعه منها ظلمًا، ولا تضرّه هي بالمبالغة في الطلب أو منعه من حقه، وعلى الوارث ما يقرره الشرع من هذه المسؤولية عند غياب الأب أو وفاته. وإن اتفق الأبوان، بعد تشاورٍ صادقٍ ومراعاة مصلحة الطفل، على فطامه قبل الحولين فلا حرج. وإن احتاجا إلى مرضعةٍ أخرى، فليؤدّيا أجرها بالمعروف. واتقِ الله في هذه الأمانة؛ فهو بصيرٌ بكل تقصيرٍ أو إحسان.

2|234|وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَٰجًۭا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍۢ وَعَشْرًۭا ۖ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِىٓ أَنفُسِهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌۭ

التزمي عدّة وفاة الزوج كما شرع الله، ولا تتعجّلي زواجًا آخر أو زينةً تنافي الإحداد قبل انقضائها. فمن تُوفّي عنها زوجها تنتظر أربعة أشهرٍ وعشرة أيام، وتمتنع خلالها عن عقد الزواج والزينة والطيب، وتلزم المسكن الذي بلغها فيه خبر الوفاة ما لم تدعُ حاجةٌ معتبرة إلى الخروج أو الانتقال؛ أمّا الحامل فتنتهي عدّتها بوضع حملها، طال الزمن أو قصر. واحفظوا للمرأة في هذه المدة كرامتها ونفقتها وحقوقها، ولا تضغطوا عليها لتقبل خاطبًا، ولا تمنعوها بعد انتهاء العدّة من التزيّن أو الزواج المشروع ممن ترضاه. فإذا أتمّت أجلها، فلها أن تتصرف في نفسها بالمعروف، ضمن أحكام الله وبعيدًا عن التبرج أو العلاقات المحرمة. وراقبوا الله في أحكام العدّة؛ فهو خبيرٌ بالنيات والأعمال، لا يخفى عليه ظلمٌ أو تحايل.

2|235|وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِۦ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِىٓ أَنفُسِكُمْ ۚ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَـٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّآ أَن تَقُولُوا۟ قَوْلًۭا مَّعْرُوفًۭا ۚ وَلَا تَعْزِمُوا۟ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَـٰبُ أَجَلَهُۥ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ فَٱحْذَرُوهُ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌۭ

احفظ حرمة العدّة، ولا تطلب الزواج من المعتدّة تصريحًا أو تعقد عليها حتى تنقضي عدّتُها. ويجوز لمن أراد الزواج من المعتدّة من وفاة أن يعرّض برغبته بقولٍ معروفٍ غير صريح، كأن يذكر تقديره لصلاحها أو رغبته في الزواج عمومًا، كما لا إثم عليه فيما أضمره في نفسه؛ لكن لا يواعدها سرًّا، ولا ينشئ معها علاقةً خفيةً أو اتفاقًا ملزمًا على الزواج. ولا تُجرِ عقد النكاح قبل تمام الأجل الذي فرضه الله، حتى ولو رضيت المرأة ووليّها؛ فالعقد حينئذٍ محرّم وغير صحيح. واضبط خواطرك وأقوالك وتصرفاتك بعلم الله بما في نفسك، فلا تتحايل على الحكم بألفاظٍ ظاهرها مباح وباطنها المواعدة. واحذر مخالفة الله، وبادر إلى التوبة إن تجاوزت حدوده؛ فهو سبحانه غفورٌ لمن رجع إليه، حليمٌ لا يعاجل بالعقوبة.

2|236|لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا۟ لَهُنَّ فَرِيضَةًۭ ۚ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُۥ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُۥ مَتَـٰعًۢا بِٱلْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ

إذا وقع الطلاق قبل الدخول وقبل تسمية المهر، فافترق بإحسان، ولا تجعل قِصر الزواج ذريعةً لترك الجبر أو إهانة المرأة. فلا إثم في الطلاق عند تعذّر استمرار الحياة الزوجية، لكن على الزوج أن يمنحها متاعًا مناسبًا من مالٍ أو كسوةٍ أو ما جرى به المعروف، يواسيها ويحفظ كرامتها؛ فيبذل الموسر بقدر سعته، والمحدود الرزق بقدر استطاعته، من غير إسرافٍ يضرّه ولا بخلٍ يهضم حقها. ولا تحوّل تقدير المتاع إلى مساومةٍ أو وسيلة ضغط، بل راعِ حالها وحال أسرتها وعرف المجتمع بما لا يخالف الشرع. وأحسن القول عند الفراق، واحفظ الأسرار، ولا تشهّر أو تجرح؛ فالإحسان يظهر خاصةً عند انتهاء العلاقة، وهذا المتاع حقٌّ مؤكد على المحسنين الذين يطيعون الله ويتجاوزون الحدَّ الأدنى إلى جبر الخاطر، وصيانة الحقوق، وحفظ الكرامة، وإنهاء العلاقة بلا منٍّ أو أذى.

2|237|وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةًۭ فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّآ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا۟ ٱلَّذِى بِيَدِهِۦ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ ۚ وَأَن تَعْفُوٓا۟ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنسَوُا۟ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ

أدِّ الحقوق عند الفراق، ولا تجعل الطلاق قبل الدخول ذريعةً لأكل المهر أو نسيان الفضل. فإذا طلّق الرجل زوجته قبل أن يدخل بها، وقد سُمّي لها مهرٌ، فلها نصف المهر المفروض؛ فليدفعه كاملًا من غير مماطلةٍ أو انتقاص. ولها أن تعفو باختيارها عن نصيبها من غير ضغطٍ أو إحراج، وللزوج أن يعفو عن حقه في النصف فيدفع لها المهر كاملًا، والعفو الصادق أقرب إلى التقوى، ولا يُطلب من الضعيف قسرًا ولا يُستعمل ستارًا لإسقاط حقه. واحفظوا ما كان بينكم من مودةٍ ووعدٍ وإحسان، فلا تحوّلوا انتهاء الزواج إلى خصومةٍ أو تشهيرٍ أو مساومةٍ على الحقوق. واجعل الفضل حاضرًا بعد الفراق كما كان مطلوبًا قبله؛ فالله بصيرٌ بما تدفعون وما تمنعون، وبما تخفونه من إنصافٍ أو ظلم، فلا يضيع عنده فضلٌ بذلتموه، ولا حقٌّ منعتموه.

2|238|حَـٰفِظُوا۟ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلْوُسْطَىٰ وَقُومُوا۟ لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ

حافظ على الصلوات الخمس في أوقاتها، ولا تجعل العمل أو النوم أو اللهو سببًا لتأخيرها أو تضييعها، واعتنِ خصوصًا بصلاة العصر، وهي الصلاة الوسطى، لشدة ما يزاحمها من أشغال النهار. فتهيّأ للصلاة قبل دخول وقتها، ونظّم مواعيدك وأسفارك وعملك حولها، وأدِّها بشروطها وأركانها وخشوعها، لا حركاتٍ معتادةً ينصرف معها القلب عن الله. وقم بين يديه سبحانه مطيعًا خاضعًا ساكن الجوارح، مستحضرًا أنك تناجي ربك وتستمد منه الهداية والعون. وعلّم أهلك المحافظة عليها، وأيقظهم برفق، ولا تكن ممن يأمر بالصلاة ثم يفرّط فيها. واجعل أثرها ظاهرًا في صدقك وأمانتك وضبط لسانك وترك الفحشاء والمنكر؛ فالمحافظة الحقيقية تجمع أداءها في وقتها وإقامتها كما شرع الله واستقامة السلوك بعدها، والثبات على طاعة الله بين صلاةٍ وأخرى.

2|239|فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًۭا ۖ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا۟ تَعْلَمُونَ

لا تترك الصلاة عند الخوف أو الخطر، بل أدِّها على قدر استطاعتك ولو ماشيًا أو راكبًا. فإذا حال القتال أو المطاردة أو الخوف الشديد دون صفتها المعتادة، فصلِّ في وقتها بحسب قدرتك، مستقبلًا القبلة إن أمكن، وأومئ بالركوع والسجود عند العجز، ولا تعرّض نفسك أو غيرك للهلاك طلبًا لما عجزت عنه من هيئتها؛ فالشريعة تجمع حفظ الصلاة وحفظ النفس. ولا تجعل الرخصة ذريعةً للتهاون بعد زوال سببها؛ فإذا عاد الأمن، فأقم الصلاة بهيئتها المشروعة، وأكثر من ذكر الله شكرًا على السلامة والهداية. وتعلّم أحكام العبادة قبل وقوع الشدائد، ودرّب نفسك على الثبات والطاعة في الرخاء؛ فمن علّمك ما لم تكن تعلم يستحق أن تذكره بقلبك ولسانك وجوارحك، وأن تستعمل علمه في الامتثال لا في المعرفة المجردة.

2|240|وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَٰجًۭا وَصِيَّةًۭ لِّأَزْوَٰجِهِم مَّتَـٰعًا إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍۢ ۚ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِى مَا فَعَلْنَ فِىٓ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍۢ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

تعلّم أحكام الله من مجموع الوحي، ولا تعمل بحكمٍ منسوخٍ بعد ثبوت ناسخه. فقد شرعت هذه الآية أولًا للزوجة التي تُوفّي عنها زوجها متاعًا وسكنى إلى تمام سنةٍ من غير إخراج، ثم نُسخ حكم الحول بما فرضه الله لها من الميراث، وبالعدّة المحددة بأربعة أشهرٍ وعشرة أيام، وبوضع الحمل للحامل. فاحفظ للأرملة حقوقها الشرعية، ولا تطردها من مسكن العدّة أو تضغط عليها لتخرج منه بغير حق، ولا تحبسها بعد انتهاء عدّتها عن التصرف المباح في نفسها، كالانتقال أو الزواج المشروع. وأحسنوا إليها ماديًّا ونفسيًّا، ولا تجعلوا وفاة زوجها بابًا للاستيلاء على مالها أو الانتقاص من كرامتها. وردّوا مسائل الناسخ والمنسوخ والمواريث والعدّة إلى القرآن والسنة الصحيحة وأهل العلم الموثوقين؛ فالله عزيزٌ لا يُغالب حكمه، حكيمٌ يشرع لعباده ما يحقق العدل والمصلحة.

2|241|وَلِلْمُطَلَّقَـٰتِ مَتَـٰعٌۢ بِٱلْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ

أكرم المطلّقة بمتاعٍ مناسبٍ عند الفراق، ولا تخرج من حياتك مكسورةً بلا جبرٍ أو إحسان. فليقدّم الزوج لها من المال أو الكسوة أو غير ذلك ما يناسب قدرته وحالها وعرف الناس الموافق للشرع، فوق ما ثبت لها من مهرٍ ونفقةٍ وسائر الحقوق بحسب حال الطلاق وأحكامه. ولا تجعل المتاع أداةً للمنّ أو المساومة، ولا تنقصه انتقامًا أو تحجب الحقوق بسبب الخصومة، بل أدِّ ما عليك بطيب نفسٍ واحفظ كرامتها وسترها وأسرارها. وعلى المطلّقة أن تأخذ حقها بالمعروف من غير تعدٍّ أو تشهير، وأن تردّ النزاع إلى الشرع والقضاء العادل عند الحاجة. فالتقوى تظهر عند انتهاء العلاقة كما تظهر عند بدايتها؛ إذ يمتثل المتقي حكم الله، ويجمع بين أداء الواجب وبذل الفضل، ويغلق باب الفراق من غير ظلمٍ أو أذى.

2|242|كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

تلقَّ بيان الله بالتدبّر والامتثال، ولا تجعل وضوح أحكامه علمًا محفوظًا يعطّله الهوى عند التطبيق. فارجع في شؤون الزواج والطلاق والعدّة والنفقة والرضاع وسائر حياتك إلى القرآن والسنة الصحيحة، وتعلّم حدود الله قبل الإقدام على القرار، واسأل أهل العلم الموثوقين عما أشكل عليك. واجمع الأحكام المتصلة بالمسألة، وافهم ألفاظها وشروطها ومقاصدها، ولا تنتزع نصًّا من سياقه لتبرير ظلمٍ أو تحايلٍ أو منفعةٍ شخصية. واعلم أن العقل والفهم وهبةٌ من الله؛ فاستعملهما في إدراك حكمته، والتمييز بين الحق والهوى، والنظر في عواقب أفعالك، ثم حوّل ما علمت إلى عدلٍ ورحمةٍ وصيانةٍ للحقوق. فبيان الآيات حجةٌ تقطع الجهل المتعمد، وإنما ينتفع به من يعقل عن الله أمره، فيتدبّر ثم يطيع، ولا يعرف الحكم ثم يخالفه، أو يحتجّ به على غيره وهو أولُ من يعطّله في نفسه.

2|243|۞ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُوا۟ ثُمَّ أَحْيَـٰهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ

خذ بالأسباب المشروعة لحفظ النفس، ولا تظن أن الفرار وحده يردّ قضاء الله أو يمنحك أجلًا لم يكتبه لك. فقد خرج أولئك الألوف من ديارهم حذر الموت، فلم يمنعهم احتياطهم مما قدّره الله عليهم؛ ثم أحياهم سبحانه إظهارًا لكمال قدرته، ودليلًا على أن الإحياء والإماتة والبعث بيده وحده. فلا تلقِ بنفسك إلى التهلكة، ولا تهمل العلاج والوقاية أو تقتحم الأخطار بلا ضرورة، لكن لا تجعل الخوف يعطّل واجبًا أو يدفعك إلى الفرار من مسؤوليتك. قدّر المخاطر بعلم، واستشر أهل الخبرة، وابذل استطاعتك، ثم فوّض النتيجة إلى الله مطمئنًّا إلى حكمته. واشكر فضله باستعمال ما وهبك من عمرٍ وصحةٍ وأمنٍ في طاعته ونفع عباده، ولا تكن ممن يشهد النعمة ثم يغفل عن المنعم، أو يقرّ بفضله بلسانه ويعصيه بجوارحه.

2|244|وَقَـٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ

انصر دين الله بالوسائل التي شرعها، وقاتل في سبيله عند وجوب القتال المشروع، تحت رايةٍ معتبرةٍ وقيادةٍ مسؤولة، من غير عدوانٍ أو تجاوزٍ لحدوده، ولا تجعل القتال بابًا للفوضى أو العدوان أو الانتقام الشخصي. فإذا وجب القتال، فاثبت دفاعًا عن الحق وردًّا للعدوان، وكسراً لشوكة العدو، والتزم حدود الله؛ فلا تقتل غير المقاتلين، ولا تغدر ولا تخون، ولا تمثّل بالقتلى، ولا تعتدي، ولا تتجاوز قدر الضرورة. ولا يستقلّ الأفراد والجماعات بإعلان الحروب أو استباحة الدماء؛ فذلك مردّه إلى وليّ الأمر والجهات الشرعية المختصة التي تزن المصالح والمفاسد وتحفظ الأنفس. وأعدّ ما تستطيع من قوةٍ منضبطة، وأخلص نيتك لله، ولا تطلب مالًا أو شهرةً أو عصبيةً. واعلم أن الله سميعٌ لأقوالك وشعاراتك، عليمٌ بنيتك وأفعالك؛ فلا يخدعنّك ظاهر الحماسة إن خالف الباطنُ الحقَّ والعدل.

2|245|مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًۭا فَيُضَـٰعِفَهُۥ لَهُۥٓ أَضْعَافًۭا كَثِيرَةًۭ ۚ وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُۜطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

أنفق من مالك في سبيل الله بإخلاصٍ وطيب نفس، ولا يمنعك خوف الفقر من بذل ما تستطيع؛ فما تقدّمه في وجوه الخير كالقرض الحسن وعد الله بمضاعفة ثوابه أضعافًا كثيرة. فاكسب مالك من الحلال، وأخرج الواجب، وواسِ المحتاج، وادعم ما ينفع الدين والناس، من غير رياءٍ أو منٍّ أو أذى، ولا تنفق خبيث المال ولا ما يضيّع نفقة من تلزمك رعايتهم. واعلم أن الله سبحانه غنيٌّ عن العالمين، وإنما سمّى الإنفاق قرضًا تشريفًا للباذل وتوكيدًا لوعد الجزاء. فلا تنسب سعة رزقك إلى قدرتك وحدها، ولا تسيء الظن بربك عند الضيق؛ فالله يقبض الرزق ويبسطه بحكمةٍ بالغة، فاشكره في السعة، واصبر وخذ بالأسباب في الضيق. وإليه ترجع، فاجعل مالك زادًا لك قبل أن تتركه ويُحاسبك الله على كسبه وإنفاقه.

2|246|أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلَإِ مِنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ مِنۢ بَعْدِ مُوسَىٰٓ إِذْ قَالُوا۟ لِنَبِىٍّۢ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكًۭا نُّقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلَّا تُقَـٰتِلُوا۟ ۖ قَالُوا۟ وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَـٰتِلَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَـٰرِنَا وَأَبْنَآئِنَا ۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْا۟ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّنْهُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلظَّـٰلِمِينَ

لا تطلب التكاليف العظيمة بحماسة اللسان ثم تتراجع عند وجوبها، بل اختبر صدقك واستعدادك قبل أن تتعهد. فقد طلب الملأ من بني إسرائيل بعد موسى من نبيٍّ لهم أن يعيّن لهم ملكًا يقاتلون معه في سبيل الله، واحتجّوا بإخراجهم من ديارهم وأبنائهم؛ فلما فُرض عليهم القتال أعرض أكثرهم ولم يثبت إلا قليل. فلا تجعل المظلمة أو الغضب وقودًا لشعاراتٍ لا يتبعها صبرٌ وطاعة، ولا تدّعِ نصرة الحق وأنت غير مستعد لبذل المال والوقت وتحمل المشقة. أعدّ نفسك بالإيمان والعلم والانضباط، والتزم القيادة الشرعية، ولا تستقلّ بقرار القتال أو الفوضى. وإذا أوجب الله عليك واجبًا، فاستعن به ولا تعجز، وأدّه بقدر استطاعتك، ولا تكن ممن يطالب بالحكم ثم يخالفه عند التطبيق؛ فالله يعلم الصادق من المتولي، ويعلم الظالمين الذين ينقضون العهد ويخذلون الحق؛ فالحياة دارُ ابتلاءٍ يكشف الله فيها صدق الأقوال بثبات العمل عند التكليف.

2|247|وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًۭا ۚ قَالُوٓا۟ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةًۭ مِّنَ ٱلْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُۥ بَسْطَةًۭ فِى ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ ۖ وَٱللَّهُ يُؤْتِى مُلْكَهُۥ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌۭ

قدِّم في الولاية والقيادة الأعلمَ والأقدرَ على أداء الأمانة، ولا تجعل المال أو النسب أو المكانة الاجتماعية معيار الاستحقاق. فقد اعترض ملأ بني إسرائيل على تمليك طالوت لفقره، مع أن نبيهم أخبرهم بأن الله اصطفاه، ومنحه سعةً في العلم وقوةً في الجسم تلائمان ما كُلّف به من قيادة القتال. فلا تردَّ الحق لأن صاحبه أقل مالًا أو شهرة، ولا تطلب منصبًا لمجرد ظنك أنك أحق به؛ بل انظر إلى العلم والكفاية والأمانة والقدرة المناسبة للمهمة، واستعن بأهل الخبرة في التقييم، ثم التزم الاختيار المشروع ما لم يأمر بمعصية. ولا تتخذ قصة طالوت ذريعةً لادعاء الاصطفاء الإلهي لأحدٍ بلا وحي؛ فقد ثبت اختياره بخبر نبي. واعلم أن الملك كله لله، يؤتي منه من يشاء بحكمة، وأن فضله واسعٌ، وعلمه محيطٌ بمن يصلح للأمانة، فلا تعترض على حكمه بهوى، ولا تزكِّ نفسك على من اختاره بحكمة.

2|248|وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِۦٓ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌۭ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَىٰ وَءَالُ هَـٰرُونَ تَحْمِلُهُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

اقبل الحق إذا قام دليله، ولا تدفعه حسدًا أو تعصبًا لمكانةٍ أو مال. فقد جعل الله لبني إسرائيل علامةً ظاهرةً على صحة مُلك طالوت: أن يعود إليهم التابوت، تحمله الملائكة، وفيه سكينةٌ من ربهم وبقايا مما ترك آل موسى وآل هارون؛ ليزول شكهم ويثبتوا على الطاعة. فتثبّت في القرارات الكبرى بالبراهين المعتبرة، وميّز بين الدليل الصحيح والدعوى المجردة، ثم لا تظل تطلب علامةً بعد علامة فرارًا من الالتزام. واستمدّ طمأنينة قلبك من الله، ومن الإيمان بوحيه وصدق وعده، لا من التعلّق بالأشياء لذاتها؛ فالبركة والسكينة من الله وحده، وما جعله سببًا لا يؤثر استقلالًا. واحفظ آثار الأنبياء الثابتة بلا غلوٍّ أو ادعاء، واعلم أن الآيات لا تنفع من أغلق قلبه، وإنما يهتدي بها المؤمن الذي يعرف الدليل ثم ينقاد للحق.

2|249|فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلْجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍۢ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّى وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُۥ مِنِّىٓ إِلَّا مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةًۢ بِيَدِهِۦ ۚ فَشَرِبُوا۟ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُۥ هُوَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ قَالُوا۟ لَا طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ ۚ قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍۢ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةًۭ كَثِيرَةًۢ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ

أطِع أمر الله عند الاختبار، ولا تجعل شدة الحاجة ذريعةً لمجاوزة الحد الذي شرعه. فقد ابتلى الله جنود طالوت بالنهر بعد أن اشتدّ بهم العطش، ليظهر المطيع المنضبط من المخالف المتّبع لشهوته، فأُبيح لكلٍّ منهم أن يغترف بيده غرفةً واحدةً تسدّ رمقه، ولا يتجاوزها إلى الارتواء، لكن أكثرهم لم يقفوا عند تلك الغرفة المأذون بها، بل عبّوا من النهر حتى ارتووا، فتجاوزوا حدَّ الله وسقطوا في الابتلاء، وثبت قليلٌ منهم؛ فدرّب نفسك على ضبط الشهوة، والالتزام بالتعليمات، والصبر على الحرمان المؤقت، لأن المواقف الكبرى تكشف حقيقة الإيمان والانضباط. ولا تقِس القدرة بعدد الناس والعتاد وحدهما؛ فقد قال بعض من جاوز النهر إنه لا طاقة له بجالوت وجنوده، بينما ثبّت أهل اليقين إخوانهم بتذكّر لقاء الله، وأن فئةً قليلةً قد تغلب فئةً كثيرةً بإذنه سبحانه. فخذ بالأسباب، وأحسن الإعداد، ولا تغترّ بالكثرة أو تيأس من القلة، واعتمد بقلبك على الله لا على قوتك؛ فالنصر بإذنه، ومعيته الخاصة للصابرين الثابتين على طاعته.

2|250|وَلَمَّا بَرَزُوا۟ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ قَالُوا۟ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًۭا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ

واجه الشدائد بالافتقار إلى الله والثبات على طاعته، ولا تعتمد على قوتك أو عدّتك وحدهما. فقد برز المؤمنون مع طالوت لجالوت وجنوده، فبدؤوا بالدعاء قبل القتال، وسألوا ربهم أن يفيض عليهم صبرًا يملأ قلوبهم، ويثبّت أقدامهم عند اللقاء، وينصرهم على القوم الكافرين المعتدين. فاستعن بالله قبل العمل وأثناءه، وخذ بالأسباب المشروعة من إعدادٍ وتنظيمٍ وطاعةٍ للقيادة المعتبرة، ولا تجعل الخوف يشتّت صفك أو يدفعك إلى الفرار من الواجب. واسأل الله صبرًا واسعًا لا مجرد تحمّلٍ مؤقت، وثباتًا يمنع التردد عند الشدة، ونصرًا يقيم الحق ولا يفتح باب العدوان. واعلم أن الدعاء الصادق لا يغني عن العمل، كما أن الأسباب لا تستقل بالنتيجة؛ فالقوة والتثبيت والنصر، وبلوغُ الأسباب نتائجَها، كلُّها من الله وحده.

2|251|فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍۢ لَّفَسَدَتِ ٱلْأَرْضُ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ

انسب النصر إلى الله، ولا تغترّ بقوتك أو تجعل الغلبة ذريعةً للظلم. فقد هزم المؤمنون، على قلّة عددهم، جالوتَ وجنودَه على كثرتهم، بإذن الله وحده، وقتل داودُ جالوتَ، ثم آتاه الله الملك والحكمة وعلّمه مما شاء؛ فاعلم أن الشجاعة والقيادة والعلم والتمكين عطايا من الله تُشكر بالطاعة والعدل، لا بالفخر والاستعلاء. وخذ بالأسباب، وأحسن إعداد القادرين، وافتح المجال لأهل الكفاءة؛ فقد يأتي النصر على يد من لم يكن أشهر القوم أو أكثرهم مالًا. واستعمل ما يمنحك الله من سلطةٍ أو معرفةٍ في حماية الحقوق وكفّ العدوان وإقامة الصلاح. ولا تدع الباطل يستفحل مع القدرة المشروعة على دفعه؛ فلولا أن يدفع الله الناس بعضهم ببعض لعمّ الفساد، ولكن يكون الدفع بضوابط الشرع والعدل، لا بالفوضى والانتقام. فاشكر فضل الله على العالمين بحفظ الأمن ونصرة المظلوم ومنع الفساد.

2|252|تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ ۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ

تلقَّ آيات القرآن بالتصديق والتعظيم والعمل، ولا تعامل قصصه كحكاياتٍ رمزيةٍ أو أخبارٍ تحتمل التكذيب والتحريف. فهذه الوقائع من آيات الله التي أوحاها إلى محمدٍ ﷺ بالحق، وفي إخباره الدقيق بما لم يشهده برهانٌ على صدق رسالته؛ فآمن به رسولًا خاتمًا، واتبع ما جاء به من القرآن والسنة الصحيحة، ولا تقدّم عليهما رأيًا أو هوًى أو روايةً بلا دليل. واقرأ الآيات لتزداد يقينًا، واستخرج منها سنن الابتلاء والطاعة والثبات والنصر، ثم حوّل العلم إلى عملٍ في قراراتك ومواقفك. ولا تنقل عن القرآن إلا بعلم، ولا تُقحم في قصصه تفاصيل لم تثبت، وردّ ما أشكل إلى أهل العلم الموثوقين. واعلم أن الحق لا يُعرف بكثرة القائلين، بل بوحي الله الذي يهدي إلى الصراط المستقيم.

2|253|۞ تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍۢ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ

آمن بجميع رسل الله ووقّرهم، ولا تساوِ بينهم في الفضل ولا تفرّق بينهم في أصل الإيمان؛ فقد فضّل الله بعضهم على بعض، فكلّم موسى تكليمًا يليق بجلاله سبحانه، ورفع بعضهم درجات، وآتى عيسى ابن مريم البينات وأيّده بجبريل عليه السلام، من غير أن يرفعه ذلك إلى الألوهية أو البنوة. وبعد مجيء الحجج اختلف أتباع الرسل؛ فمنهم من آمن، ومنهم من كفر، ثم اقتتلوا بسبب مخالفة الحق واتباع الأهواء، لا لقصورٍ في البيان. فلا تجعل وضوح الدليل مانعًا من مراجعة نفسك؛ فالهوى قد يصرف عن الحق بعد معرفته. وتمسّك بالوحي، واجتنب التعصب والخصومة والعدوان، واعلم أن ما يقع إنما يقع بمشيئة الله الكونية وحكمته، مع بقاء مسؤولية العباد عن اختياراتهم؛ فالله يفعل ما يريد، ولا يُسأل عن حكمته وعدله وهم يُسألون.

2|254|يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَـٰكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌۭ لَّا بَيْعٌۭ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌۭ وَلَا شَفَـٰعَةٌۭ ۗ وَٱلْكَـٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ

أنفق مما رزقك الله قبل فوات الفرصة، ولا تؤخّر الواجب والصدقة اعتمادًا على طول الأمل أو من ينفعك يوم القيامة. فأخرج الزكاة، وأدِّ الحقوق، وواسِ المحتاج، وابذل في وجوه الخير من المال الحلال، من غير رياءٍ أو منٍّ أو أذى، ولا تنسَ أن المال عطيةٌ وأمانةٌ محدودة المدة، وأنك راجعٌ إلى واهبه سبحانه. وبادر اليوم؛ فسيأتي يومٌ لا تستطيع فيه شراء النجاة بمال، ولا تنفع خُلّةٌ تخالف الإيمان والحق، ولا تقع شفاعةٌ إلا بإذن الله ولمن ارتضى. فلا تتكل على نسبٍ أو صديقٍ أو مكانة، بل اطلب رحمة الله بالإيمان والعمل الصالح، مع افتقارك الدائم إلى فضله. واحذر الكفر بالله والإعراض عن أمره؛ فالكافرون هم الظالمون أعظم الظلم، إذ وضعوا العبادة في غير موضعها وحرموا أنفسهم من الهدى، فجمعوا بين ظلم حقِّ الله وظلم أنفسهم بإيرادها موارد الهلاك.

2|255|ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُۥ سِنَةٌۭ وَلَا نَوْمٌۭ ۚ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍۢ مِّنْ عِلْمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ ۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ

أفرد الله وحده بالعبادة والتوكّل، ولا تتعلّق بقلبك بمخلوقٍ كائنًا من كان؛ فهو الحيُّ الكامل الحياة، القيّوم القائم بنفسه المقيم لجميع خلقه، لا تأخذه سِنةٌ ولا نوم. فاستمدّ منه قوتك وعونك، واعلم أن ما في السماوات والأرض ملكه وعبيده، فلا يملك أحدٌ نفعًا أو دفعًا أو شفاعةً إلا بإذنه ورضاه. وراقبه في سرّك وعلانيتك؛ فهو يعلم الماضي والحاضر والمستقبل، وما أظهر الخلق وما أخفوا، ولا ينالون من العلم إلا ما علّمهم وشاء لهم، فلا تغترّ بمعرفتك ولا تتكلم في دينه بلا برهان. وآمن بأن كرسيه وسع السماوات والأرض كما أخبر سبحانه، من غير تكييفٍ أو تمثيل، وأن حفظهما لا يثقله ولا يعجزه. فسلّم أمرك للعليّ العظيم، وعظّمه بطاعته، ولا تجعل في قلبك خوفًا أو رجاءً أو محبةَ عبادةٍ لغيره، بل أخلصها لله وحده، واجعل ما سواها تابعًا لشرعه وفي حدوده.

2|256|لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِٱلطَّـٰغُوتِ وَيُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَا ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

ادعُ إلى الإسلام بالحكمة والبيان، ولا تُكره أحدًا على اعتناقه؛ فالإيمان تصديقٌ واختيارٌ لا يصنعه القهر ولا يستقرّ به في القلب، وقد تبيّن طريق الهدى من طريق الضلال بالحجج الظاهرة. فاعرض الحق بصدقٍ ورحمة، وأزل الشبهات بالعلم، ولا تستعمل التهديد أو الإهانة أو استغلال الحاجة لانتزاع إقرارٍ لا يوافقه القلب. واكفر بالطاغوت: ارفض عبادة كل ما سوى الله، وتبرّأ من الشرك والباطل، ولا تتبع أحدًا في الباطل أو تطعه في معصية الله، ولا ترفع مخلوقًا فوق حدّه فتمنحه شيئًا من خصائص الربوبية أو العبادة. وآمن بالله وحده ربًّا وإلهًا ومعبودًا، واتبع القرآن وحيه، ورسوله محمدًا ﷺ. ولا تجعل نفي الإكراه في أصل الدخول في الإسلام ذريعةً لتسوية الحق بالباطل، أو لإسقاط ما أوجبه الله على من آمن واختار الالتزام بدينه، بل احفظ حرية الدخول في الدين مع وضوح دعوته. فلا إكراه على أصل الدخول في الإسلام، أمّا من دخله مختارًا فقد لزمته أحكامه؛ فيُؤمر بالواجب ويُنهى عن المحرّم، وتُطبَّق الأحكام والجزاءات المشروعة من وليّ الأمر والقضاء المختص، لا بعنف الأفراد أو إكراههم المتفلّت. فمن كفر بالطاغوت وآمن بالله فقد استمسك بأوثق سببٍ للنجاة، والله سميعٌ لأقوالك، عليمٌ بصدق قلبك وبما تخفيه النفوس من صدقٍ ورياءٍ.

2|257|ٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّـٰغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَـٰتِ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ

اتخذ الله وحده وليًّا بالطاعة والتوكّل والاستعانة، ولا تتولَّ الطاغوت باتباع الباطل أو طاعة المخلوق في معصيته؛ فالله يتولّى المؤمنين، فيهديهم بوحيه وتوفيقه من ظلمات الكفر والجهل والشك والهوى إلى نور الإيمان والعلم واليقين والاستقامة. فالزم القرآن والسنة الصحيحة، واسأل الله الهداية والثبات، وتُب من كل انحراف، ولا تنسب إصابة الحق إلى ذكائك وحده؛ فالهداية فضلٌ منه سبحانه. واحذر أولياء الطاغوت من شياطين الإنس والجن ودعاة الضلال؛ فإنهم يزيّنون الكفر والمعصية، وينقلون أتباعهم من نور الفطرة والبيان إلى ظلماتٍ متراكمة. ومن مات على الكفر فهو من أصحاب النار خالدٌ فيها؛ أمّا المسلم العاصي فلا يُحكم له بهذا الخلود لمجرد معصيته ما لم يرتكب ناقضًا للإيمان ويمت عليه. فاختبر ولاءك بمن تطيع، وبالوحي الذي تتبعه، وبالطريق الذي تسلكه كل يوم.

2|258|أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِى حَآجَّ إِبْرَٰهِـۧمَ فِى رَبِّهِۦٓ أَنْ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّىَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحْىِۦ وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِى كَفَرَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ

حاجج الباطل بالحجة الواضحة، ولا تدع مالًا أو سلطانًا أو ذكاءً يورثك الكبر عن الحق. فقد جادل ذلك الملكُ نبي الله إبراهيمَ عليه السلام في ربّه، وطغى بسبب الملك الذي آتاه الله، فادّعى الإحياء والإماتة بتلبيسٍ لا يثبت أمام البرهان. فانتقل إبراهيم إلى دليلٍ لا يملك الجاحد تحريفه: بأن الله يأتي بالشمس من المشرق، فتحدّاه أن يأتي بها من المغرب؛ فعجز الملك، وانقطعت حجته، وبُهت أمام البرهان. فتعلّم عقيدتك من القرآن والسنة الصحيحة، وافهم حجج التوحيد، وأجب الشبهة بما يكشف أصلها، ولا تسترسل في جدلٍ عقيمٍ بعد ظهور الحجة. ولا تنسب النعمة إلى نفسك أو تستعمل السلطة في منازعة أمر الله؛ فالملك والعلم والقدرة منحٌ منه سبحانه واختبار. واسأل الله الهداية، فإن الإصرار على الظلم بعد تبيّن الحق يحرم صاحبه التوفيق، والله لا يهدي القوم الظالمين.

2|259|أَوْ كَٱلَّذِى مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍۢ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْىِۦ هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِا۟ئَةَ عَامٍۢ ثُمَّ بَعَثَهُۥ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍۢ ۖ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِا۟ئَةَ عَامٍۢ فَٱنظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَٱنظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةًۭ لِّلنَّاسِ ۖ وَٱنظُرْ إِلَى ٱلْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًۭا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

أيقن أن الله يحيي الموتى ويبعث من في القبور، ولا تحصر قدرته سبحانه في حدود المألوف أو ما تدركه من الأسباب. فقد مرّ رجلٌ بقريةٍ خربةٍ سقطت سقوفها وخلت من أهلها، فسأل متعجّبًا كيف يحييها الله بعد موتها؛ فأماته مائة عامٍ ثم بعثه، وأراه أن ما ظنه يومًا أو بعض يوم كان قرنًا كاملًا، وأن طعامه وشرابه لم يتغيّرا، بينما بلي حماره، ثم أعاد الله عظامه ورفع بعضها إلى بعض وكساه لحمًا أمام عينيه، ليجعله آيةً للناس. فتدبّر دلائل قدرة الله في الوحي والخلق، ولا تردّ خبرًا صحيحًا لأن كيفيته تجاوزت علمك أو قُدرة البشر؛ بل اسأل طلبًا لزيادة اليقين مع التسليم لله وغاية الأدب معه. واستعدّ للبعث بالتوبة والعمل الصالح؛ فالعمر وإن طال يمضي كأنه بعض يوم، فلا تغترّ بطول الأجل، ولا تؤخر طاعةً أو توبةً إلى غدٍ لا تملكه. ومن أحيا العظام بعد فنائها قادرٌ على بعثك ومحاسبتك، ولا يعجزه شيء.

2|260|وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَـٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةًۭ مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍۢ مِّنْهُنَّ جُزْءًۭا ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًۭا ۚ وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

اطلب زيادة اليقين بأدبٍ وصدق، ولا تجعل السؤال ستارًا للشكّ المعاند أو ردِّ خبر الله. فقد كان إبراهيم عليه السلام مؤمنًا بقدرة الله على إحياء الموتى، لكنه سأل أن يرى الكيفية ليزداد قلبه سكونًا إلى ما أيقن به؛ فأمره الله أن يأخذ أربعةً من الطير، ويضمّها إليه ثم يقطّعها، ويفرّق أجزاءها على الجبال، ثم يدعوها، فجُمعت أجزاؤها وعادت إليها الحياة وأتته مسرعةً بإذن الله. فإذا عرض لك إشكال، فاسأل أهل العلم الموثوقين، واطلب الدليل من القرآن والسنة الصحيحة، واجمع بين الإيمان بالغيب والنظر في آيات الله، ولا تشترط مشاهدة الخوارق لتصدّق بوحيه. واعلم أن طمأنينة القلب تزداد بالعلم والتدبر والطاعة، وأن الله عزيزٌ لا يعجزه بعثٌ ولا إحياء، حكيمٌ يضع أفعاله وتعليمه في مواضعهما الكاملة.

2|261|مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُنۢبُلَةٍۢ مِّا۟ئَةُ حَبَّةٍۢ ۗ وَٱللَّهُ يُضَـٰعِفُ لِمَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ

أنفق من مالك الحلال في سبيل الله، ولا تستصغر القليل أو تحبسه خوفًا من الفقر؛ فالنفقة الصادقة كحبّةٍ واحدةٍ أنبتت سبع سنابل، في كل سنبلةٍ مائة حبّة، فيبلغ ثوابها سبعمائة ضعف، ويزيد الله لمن يشاء فوق ذلك بفضله. فاجعل لك نصيبًا ثابتًا من الإنفاق، وأدِّ الزكاة الواجبة، وادعم وجوه البر التي يرضاها الله، وتحرَّ أشدها نفعًا وحاجة، من غير أن تضيّع من تلزمك نفقتهم. ولا تنتظر كثرة المال لتبدأ؛ فالحبّة الصغيرة تنمو إذا وُضعت في موضعها الصحيح، والعمل القليل يعظم بالإخلاص وحسن القصد. ولا تجعل المضاعفة صفقةً تطلب بها مكسبًا دنيويًّا محتومًا، بل أنفق ابتغاءَ وجه الله وحده ورضاه، واطلب ثواب الآخرة، ولا تجعل عطيتك سبيلًا إلى مدحٍ أو جاهٍ أو عوضٍ دنيوي. ففضله واسعٌ لا تنفد خزائنه، وعلمه محيطٌ بنيتك ومالك وموضع نفقتك واستحقاقك للمضاعفة، واحفظ نفقتك بعد بذلها من المنّ والأذى؛ فلا تُضيِّع مُضاعفةَ الأجر بتذكير المحتاج بعطيتك أو جرح كرامته.

2|262|ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَآ أَنفَقُوا۟ مَنًّۭا وَلَآ أَذًۭى ۙ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

أنفق ابتغاء وجه الله، وطلباً لرضاه، ولا تُفسد صدقتك بالمنّ أو الأذى بعد بذلها؛ فالعطاء المقبول لا يكتمل بإخراج المال وحده، بل بصيانة كرامة المحتاج وحفظ قلبه وستر حاجته. فلا تُذكّره بما أعطيته جرحاً لكرامته أو لتُذلّ به نفسه، ولا تطلب منه خضوعًا أو خدمةً أو مدحًا، ولا تشهِّر بفقره، ولا تُعيّره أو تتعالى عليه، ولا تستخدم عطيتك أداةً للسيطرة والابتزاز. وأخفِ صدقتك متى كان الإخفاء أصلح، واختر أطيب مالك، وقدّمه بوجهٍ طلقٍ وقولٍ كريم، ثم انسَ فضلك وتذكّر أن الله هو الذي رزقك ووفّقك للبذل. وإن احتجت إلى توثيق النفقة أو إعلانها لمصلحةٍ مشروعة، فاحفظ الإخلاص والخصوصية. فمن أنفق لله ثم صان نفقته من المنّ والأذى، فله أجره عند ربه، ولا خوفٌ عليه مما يستقبل، ولا حزنٌ على ما خلّف.

2|263|۞ قَوْلٌۭ مَّعْرُوفٌۭ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌۭ مِّن صَدَقَةٍۢ يَتْبَعُهَآ أَذًۭى ۗ وَٱللَّهُ غَنِىٌّ حَلِيمٌۭ

قابل السائل بوجهٍ طلقٍ وكلمةٍ طيبةٍ وعذرٍ كريم، ولا تمنحه مالًا ثم تؤذيه بقولٍ أو تصرّف؛ فحفظ كرامته خيرٌ من صدقةٍ تجرحه. فإن لم تملك ما تعطيه، فاعتذر بلطف، وادعُ له بخير، ولا تزجره أو تحتقر حاجته أو تكشفها للناس. وإن صدر منه إلحاحٌ أو جفاء، فاعفُ ما استطعت، واضبط لسانك، ولا تجعل ضيقك مبررًا للإهانة. وإذا تصدقت، فليكن عطاؤك خالصًا لله، بعيدًا عن التحقير والتذكير والابتزاز؛ لأن الأذى قد يفسد أثر الصدقة ويحوّل الإحسان إلى ألم. واعلم أن الله غنيٌّ عن مالك وصدقتك، وإنما شرع الإنفاق تزكيةً لك ورحمةً بعباده، وهو حليمٌ لا يعاجل المسيء بالعقوبة؛ فتخلّق بالحلم، وأصلح إساءتك سريعًا إن جرحت محتاجًا، أو آذيته، فبادر إلى الاعتذار إليه واسترضائه، ولا تظن أن صدقتك تمحو إساءتك إليه.

2|264|يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُبْطِلُوا۟ صَدَقَـٰتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلْأَذَىٰ كَٱلَّذِى يُنفِقُ مَالَهُۥ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ۖ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌۭ فَأَصَابَهُۥ وَابِلٌۭ فَتَرَكَهُۥ صَلْدًۭا ۖ لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَىْءٍۢ مِّمَّا كَسَبُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ

صُن صدقتك بالإخلاص وحسن المعاملة، ولا تُبطل ثوابها بالمنّ والأذى أو بطلب أنظار الناس ومدحهم. فلا تُذكّر المحتاج بعطيتك، ولا تُذلّه أو تكشف حاجته، ولا تجعل إنفاقك وسيلةً إلى السمعة والجاه؛ فالمُرائي الذي لا يؤمن بالله واليوم الآخر لا يقصد بماله وجه الله ولا يرجو حسابه، وعمله كصخرةٍ صمّاء غطاها ترابٌ أوهم رائيها بالنماء؛ فلما نزل المطر انكشفت حقيقتها: صخرةً ملساءَ لا تُنبت شيئًا. كذلك تستر صدقته فسادَ قصده وقسوةَ قلبه زمنًا، ثم ينكشف رياؤه، فلا يبقى له عند الله منها ثواب، وإن انتفع الفقير بمالها. ففتّش نيتك قبل العطاء وأثناءه وبعده، وأخفِ صدقتك حين يكون الإخفاء أصلح، وانسب الفضل إلى الله الذي رزقك ووفّقك، ولا تنتظر شكرًا أو خضوعًا ممن أحسنت إليه. وإن وقع منك رياءٌ أو أذى فبادر إلى التوبة وإصلاح الضرر؛ فما لم يُرَد به وجه الله لا يبقى لصاحبه منه أجر، والله لا يهدي القوم الكافرين.

2|265|وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثْبِيتًۭا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍۭ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌۭ فَـَٔاتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌۭ فَطَلٌّۭ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ

أنفق ابتغاء مرضاة الله وبنفسٍ موقنةٍ راضية، ولا تجعل عطيتك رهينةَ مدح الناس أو تردّد النفس وبخلها؛ فالمنفق المخلص يثبت إيمانه بالعمل، ويدرّب نفسه على اليقين بوعد الله وتقديم ما عنده على شهوة الادخار. ومثل نفقته كمثل بستانٍ خصبٍ على أرضٍ مرتفعةٍ طيبة التربة؛ إن أصابه مطرٌ غزير أعطى ثمره مضاعفًا، وإن لم يصبه إلا مطرٌ خفيف كفاه فأثمر. فصحّح نيتك، واختر المال الحلال الطيب، وأنفق في مواضع النفع المشروعة، واجعل لك نصيبًا ثابتًا ولو قلّ؛ فالعمل الخالص تثمره بركة الله في السعة والضيق، ويعظم أجره بحسب الإيمان والإخلاص والنفع. ولا تغترّ بكثرة ما بذلت؛ فالله بصيرٌ بقصدك وكيفية عطائك وموضعه، وإنما القبول والزيادة بفضله سبحانه. فالعبرة ليست بكثرة ما تنفق، بل بإخلاص القلب وصدق القصد؛ فقليلٌ خالصٌ يباركه الله وينمّيه، وكثيرٌ أفسده الرياء لا يبقى لصاحبه منه ثواب، وإذا اجتمعت كثرةُ النفقة مع إخلاص القلب وصِدق القصد وبلا رياء، عَظُم نفعها وأجرها بفضل الله.

2|266|أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُۥ جَنَّةٌۭ مِّن نَّخِيلٍۢ وَأَعْنَابٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ لَهُۥ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَأَصَابَهُ ٱلْكِبَرُ وَلَهُۥ ذُرِّيَّةٌۭ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌۭ فِيهِ نَارٌۭ فَٱحْتَرَقَتْ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ

احفظ حسناتك إلى يوم تلقى الله، ولا تُحرق ثمرتها بالرياء والمنّ والأذى أو بما أبطل الشرع به العمل؛ فأشدّ الخسارة أن يفقد العبد زاده حين يكون إليه أحوج. فمثله كرجلٍ يملك بستانًا من نخيلٍ وأعناب، تجري تحته الأنهار وتتنوع ثماره، ثم يدركه الكِبَر وله ذريةٌ ضعفاء، فيصيبه إعصارٌ يحمل نارًا فيحترق كله وقت عجزه وانقطاع أسباب التعويض. فأخلص نيتك، وداوم على الطاعة، وتُب سريعًا من الذنب، وردّ الحقوق، ولا تغترّ بماضٍ صالحٍ ثم تهدمه بإصرارٍ أو ظلم. وراجع أعمالك قبل أن يأتي يومٌ لا تستطيع فيه استدراك ما فات، وربِّ من تعول على الإيمان والاستقامة؛ فالمال والقوة والعمر ينفد، ويبقى ما قبله الله. وتفكّر في هذا المثل بقلب واع، واسأل الله أن يحفظ عملك ويثبتك حتى تلقاه.

2|267|يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنفِقُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا۟ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغْمِضُوا۟ فِيهِ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ

أنفق من حلال مالك وأجوده، ولا تخصّ الفقراء بما تكرهه لنفسك أو لا تقبله إلا متسامحًا عن عيبه؛ فالله أمرك أن تبذل من طيبات ما كسبت، ومما أخرج لك من الأرض. فتحرَّ الحلال في دخلك، وأدِّ الزكاة والصدقات من مالٍ نافعٍ سليم، وقدّم من الطعام والثياب والمتاع ما يصون كرامة المحتاج ويحقق حاجته، لا التالف والرديء وما تريد التخلص منه. واجعل معيار عطائك أن ترضى مثله لنفسك ولمن تحب. ولا تتخذ الصدقةَ مخزنًا تتخلّص فيه من بقاياك ومعيبات أموالك. وليس المقصود وجوب إنفاق أنفس مالك كله، بل اجتناب الخبيث والناقص مع البذل من الطيب بحسب استطاعتك. واعلم أن الله غنيٌّ عنك وعن مالك وإنفاقك، وإنما تعبُّدك به لتزكية نفسك ونفع عباده، وهو الحميد، المستحق للحمد في شرعه وعطائه وثوابه وكماله ونعمه وحكمته؛ فطاعة العباد تنفعهم ولا تزيد في مُلكه، ومعصيتهم تضرّهم ولا تنقص منه شيئًا.

2|268|ٱلشَّيْطَـٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ ۖ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةًۭ مِّنْهُ وَفَضْلًۭا ۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌۭ

أنفق ثقةً بوعد الله، ولا تستسلم لتخويف الشيطان من الفقر أو لأمره بالبخل والمعصية؛ فإنه يضخّم أمامك ما يفوتك، ويُنسيك رزقَ الله وثوابَه الموعود، حتى يمنعك حقًّا واجبًا أو خيرًا مقدوراً عليه. فميّز بين التدبير المشروع والشحّ المذموم، احفظ حاجاتك وحاجات من تعول بلا إسراف، ثم أدِّ الزكاة والحقوق، وابذل من الفضل بقدر استطاعتك. وإذا وسوس لك بأن الصدقة ستنقصك، فاستعذ بالله، وتذكّر أن المال عطيةٌ وأمانة، وأن الله وعد المنفق المخلص مغفرةً لذنبه وبركة وفضلًا منه في الدنيا والآخرة، من غير أن تجعل العطاء شرطًا لربحٍ دنيويٍّ محدد. ولا تطع خوفًا يدفعك إلى الحرام أو منع الحقوق؛ فالله واسعُ الفضل والرزق، عليمٌ بنيتك وحاجتك ونفقتك، يضع فضله حيث تقتضي حكمته؛ فلا ينفد عطاؤه، ولا يخفى عليه صدقك أو تردّدك.

2|269|يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًۭا كَثِيرًۭا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ

اطلب الحكمة من الله بالعلم النافع والعمل الصالح، ولا تغترّ بذكائك أو كثرة معلوماتك؛ فالحكمة توفيقٌ منه سبحانه لفهم الحق، وإصابة الصواب، ووضع القول والعمل في موضعهما. فتعلّم القرآن والسنة الصحيحة، وتفقّه في الدين، واستشر أهل العلم الموثوقين، ثم اعمل بما عرفت، ووازن بين المصالح والمفاسد بميزان الشرع لا بالهوى والعادة. ولا تتعجل في حكمٍ أو قرار، بل تثبّت، وانظر في العواقب، واختر أنفع الوسائل المباحة لأقوم المقاصد. واعلم أن من آتاه الله الحكمة فقد منحه خيرًا كثيرًا؛ لأنها تصلح عقيدته وعبادته وأخلاقه وماله وعلاقاته وقراراته ومن حوله. واشكر هذه النعمة بالتواضع ونفع الناس، ولا تستخدم العلم للمباهاة أو التضليل. ولا ينتفع بهذا البيان حقًّا إلا أصحاب العقول السليمة الذين يتدبرون ويتذكرون ويحوّلون ما علموه إلى طاعة.

2|270|وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُۥ ۗ وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ

راقب الله في كل نفقةٍ ونذر، ولا تظن أن خفاء العمل عن الناس يحجبه عن علمه سبحانه؛ فهو يعلم المال المبذول، ووجهته، ونيتك فيه، وما أوجبتَه على نفسك. فأنفق من الحلال في الطاعة والحقوق المشروعة، وأخلص قصدك، ولا تبذل مالًا في معصيةٍ أو ظلمٍ أو طلب سمعة. ولا تتسرّع في النذر؛ فإنه لا يغيّر القدر ولا يستجلب خيرًا لم يكتبه الله، وقد يُلزمك بما يشق عليك. فإن نذرت طاعةً مشروعةً وجب الوفاء بها مع القدرة، وإن نذرت معصيةً فلا تفعلها، واسأل أهل العلم عن الكفارة والحكم. وأدِّ ما ألزمت نفسك به دون تسويف، ولا تمنع حقًّا أو تخن عهدًا؛ فالظالم لا يجد يوم القيامة ناصرًا يدفع عنه جزاء ظلمه، وإنما النجاة بتوبةٍ صادقة، وردِّ الحقوق إلى أهلها، وإصلاح ما أفسده الظلم قبل فوات الأوان.

2|271|إِن تُبْدُوا۟ ٱلصَّدَقَـٰتِ فَنِعِمَّا هِىَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّـَٔاتِكُمْ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌۭ

تصدّق بإخلاصٍ على الوجه الذي هو أصلح للنية وأنفع للمحتاج، ولا تجعل إعلان العطاء بابًا للرياء أو إذلال الفقير؛ فإظهار الصدقة حسنٌ إذا قصدت به تشجيع الناس أو إظهار شعيرةٍ واجبة، مع سلامة القلب من طلب المدح أو إذلال المحتاج. أمّا صدقة التطوع فإخفاؤها وإيصالها إلى الفقراء سرًّا خيرٌ لك في الأصل؛ لأنه أحفظ لإخلاصك، وأستر لحاجتهم، وأصون لكرامتهم. فاختر مستحقًّا حقيقيًّا، وقدّم إليه العطاء بلطف، ولا تكشف اسمه أو حاله إلا بإذنه ولمصلحةٍ معتبرة. ولا تترك الصدقة خوفًا من الرياء، بل أصلح نيتك واعمل، ثم اكتم حسناتك ما استطعت. وارجُ بتلك الطاعة أن يكفّر الله عنك من سيئاتك بفضله، ولا تغترّ بعملك؛ فالله خبيرٌ بنيتك، وبما أعلنته وأخفيته، وبالأثر الذي تركه عطاؤك في حاجة الفقير وكرامته وقلبه.

2|272|۞ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَىٰهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ ۗ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ فَلِأَنفُسِكُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ ٱللَّهِ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ

ادعُ الناس إلى الحق بالحكمة، وأحسن إلى المحتاج ابتغاء وجه الله، ولا تحبس عنه صدقة التطوع المباحة لتكرهه على الإسلام؛ فهداية القلوب ليست إليك، وإنما عليك البلاغ والقدوة وبذل السبب، والله وحده يهدي من يشاء بعلمه وحكمته. فلا تجعل العطاء ثمنًا لتغيير عقيدةٍ أو شراء ولاءٍ أو انتزاع منفعة، ولا تيأس إن لم يستجب من دعوتَه للحق؛ بل اثبت أنت على الحق، واطلب له الهداية، واترك سريرته وحسابه لله. وتحرَّ في الزكاة مصارفها الشرعية، أمّا سائر الإحسان المشروع فابذله للمستحق بما يحقق النفع ويحفظ الكرامة. واعلم أن كل خير تنفقه يعود نفعه وثوابه إليك، فصحّح نيتك ولا تطلب إلا رضا الله؛ فما تبذله من خير يوفَّ إليك كاملًا بفضله، ولا تُنقص من أجرك حسنة، وإن خفي عطاؤك عن الناس أو جحدوا فضلك.

2|273|لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحْصِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًۭا فِى ٱلْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَـٰهُمْ لَا يَسْـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافًۭا ۗ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ

ابحث عن الفقير المتعفّف لتسدّ حاجته قبل أن يضطر إلى السؤال، ولا تحكم بالغِنى من مظهرٍ هادئ أو شكوى مكتومة أو تعفُّف عن السؤال. فقد خُصَّ بالذكر فقراءُ حُبسوا في سبيل الله عن السَّعي في الأرض وطلب الرزق، فستروا حاجتهم بعفّتهم حتى ظنّهم من يجهل حالهم أنهم أغنياء، وكان أهل البصيرة يعرفون فقرهم من علاماته، وهم لا يلحّون على الناس في المسألة، وقد لا يسألون أصلًا، تعففًا وصونًا لماء وجوههم، مع شدة حاجتهم. فتفقّد أقاربك وجيرانك ومن تعرف أحوالهم، واسأل عن المحتاج بسترٍ وأدب، ولا تنتظر أن يمدّ يده أو يكشف عجزه. بل بادر وقدّم العون بما يكفي حاجته ويحفظ كرامته، من غير تحقيقٍ مهين أو إعلانٍ لفقره، وقدّم الأشد حاجةً والأعفّ نفسًا. ولا تخشَ أن يخفى إحسانك؛ فكل خيرٍ تنفقه يعلمه الله كاملًا، ويعلم صدق نيتك ودقة تحرّيك.

2|274|ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُم بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرًّۭا وَعَلَانِيَةًۭ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

داوم على الإنفاق في وجوه الخير ليلًا ونهارًا، سرًّا وعلانيةً، ولا تجعل إحسانك موسميًّا أو تابعًا للفراغ ومدح الناس. فاجعل من مالك نصيبًا ثابتًا للزكاة والصدقة، واستجب للحاجة العاجلة في أي وقت، من غير إسرافٍ أو تضييعٍ لمن تلزمك نفقتهم. وأخفِ عطيتك إذا كان الإخفاء أحفظ لإخلاصك وأستر للمحتاج، وأظهرها إذا تحققت مصلحةٌ مشروعة؛ كتشجيع غيرك أو بيان القدوة، مع الحذر من الرياء والمنّ والأذى. ولا تستصغر نفقةً قليلةً أخلصت فيها، ولا تؤخر الخير انتظارًا لمالٍ أكثر أو ظرفٍ أكمل. فمن أنفق ابتغاء وجه الله، محافظًا على الإخلاص وحسن التصرف، فله أجره عند ربه، ولا خوفٌ عليه مما يستقبل، ولا حزنٌ على ما مضى من مالٍ بذله لله؛ فما أنفقه لم يَضِع، بل صار أجرًا مُضاعفاً برحمة الله، باقيًا عند ربه.

2|275|ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَوٰا۟ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِى يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مِنَ ٱلْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَوٰا۟ ۗ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰا۟ ۚ فَمَن جَآءَهُۥ مَوْعِظَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ

اجتنب الربا في الاقتراض والإقراض والمعاملات، ولا تُسوِّغه بتغيير اسمه أو تشبيهه بالبيع؛ فقد أحلّ الله البيع القائم على التراضي والمبادلة المشروعة، وحرّم الزيادة الربوية المشروطة على الدَّين. وتعلّم أحكام معاملتك قبل إبرامها، واعرض العقود المشتبهة على عالمٍ موثوقٍ أو مختصٍّ أمين، ولا تجعل الحاجة أو الطمع ذريعةً لأكل أموال الناس بالباطل. فإن بلغتك موعظة الله، فأوقف الربا فورًا، وتُب نادمًا، واعزم ألّا تعود، وخذ رأس مالك دون زيادة، وردّ الحقوق التي يلزم ردّها وفق الحكم الشرعي؛ فما سبق قبل بلوغ التحريم فأمره إلى الله. واحذر الإصرار بعد البيان؛ فآكل الربا يُبعث في اضطرابٍ وذلٍّ جزاء قلبه للحقائق. ومن استحلّ ما حرّمه الله بعد قيام الحجة ومات على الكفر فهو خالدٌ في النار؛ أمّا المسلم الواقع في الربا فمرتكبٌ لكبيرةٍ عظيمة، لا يُحكم بخلوده لمجرد معصيته، ما لم يستحلّ الربا تكذيبًا لحكم الله ويمت على ذلك.

2|276|يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰا۟ وَيُرْبِى ٱلصَّدَقَـٰتِ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ

اترك الربا طلبًا للبركة، وأكثر من الصدقة ابتغاء وجه الله؛ فالربا وإن بدا زيادةً يمحق الله بركته، فيُذهب نفعه أو يعرّض صاحبه لخسارةٍ في ماله وقلبه ودينه، أمّا الصدقة فينمّي الله أجرها ويبارك أثرها ومال صاحبها بما يشاء. فلا تنخدع بالأرقام التي تكبر مع الحرام، ولا تظن أن كل زيادةٍ ربح؛ فربّ مالٍ كثيرٍ منزوع البركة فلا يكفي ولا يفي، وربّ مالٍ قليلٍ طيبٍ مبارك فيه جعله الله كفايةً وخيرًا. فطهّر دخلك وعقودك من الفوائد الربوية، واخرج من المعاملة المحرمة بما يوافق الشرع، واستبدل بها بيعًا أو تمويلًا مباحًا، واجعل لك نصيبًا ثابتًا للإنفاق. واحذر الإصرار والجحود؛ فالله لا يحب شديد الكفر كثير الإثم، أمّا المسلم الواقع في الربا فعليه التوبة الصادقة، ولا يُحكم بكفره لمجرد هذه الكبيرة ما لم يستحلَّها، فمن وقع فيه مُقرًّا بتحريمه، فهو مسلمٌ عاصٍ ارتكب كبيرةً، ولا يخرج بها من الإسلام.

2|277|إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

حقّق إيمانك بالطاعة، ولا تكتفِ بدعوى لا يصدّقها العمل؛ فالفوز يجمع إيمان القلب، وصلاح السلوك، واستقامة الفعل، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة. فاجعل أعمالك موافقةً للقرآن والسنة الصحيحة، وأخلصها لله، وأصلح بها نفسك ومن حولك. وأقِم الصلاة في أوقاتها بخشوعٍ وطمأنينة، ولا تؤدِّها حركاتٍ مجرّدة؛ بل دع أثرها ينهَك عن الفحشاء والمنكر، ويضبط أقوالك ومعاملاتك وحقوق الناس عليك. وأدِّ الزكاة كاملةً عند وجوبها إلى مستحقيها، ولا تُنقصها أو تؤخّرها أو تمنّ بها؛ فهي حقٌّ فرضه الله في المال، وتطهيرٌ للنفس من الشُّح. واثبت على هذه الأصول حتى تلقى الله، راجيًا رحمته وفضله؛ فمن آمن وعمل صالحًا وأقام الصلاة وآتى الزكاة فله أجره محفوظًا عند ربه، ولا خوفٌ عليه مما يستقبل، ولا حزنٌ على ما مضى.

2|278|يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَذَرُوا۟ مَا بَقِىَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

اتقِ الله بترك الربا فورًا، ولا تطالب بشيءٍ من زياداته المتبقية؛ فصِدق الإيمان يظهر عند تقديم حكم الله على الطمع والمصلحة العاجلة. فراجع ديونك وعقودك، وأسقط كل فائدةٍ ربوية لم تُقبض، ولا تأخذ إلا رأس مالك، ولا تتحايل بتغيير الاسم أو صورة المعاملة مع بقاء حقيقتها المحرمة. وإن كنت ملتزمًا بعقدٍ مشتبه، فاسأل عالمًا موثوقًا ومختصًّا أمينًا عن الطريق المشروع للخروج منه بأقل ضرر، ولا تؤخر التصحيح انتظارًا لربحٍ إضافي. وتُب بندمٍ صادق، واعزم ألّا تعود، وردّ ما يلزم ردّه من الحقوق بحسب الحكم الشرعي. ولا تُكفّر المسلم لمجرد وقوعه في الربا مع إقراره بتحريمه؛ لكنه مرتكبٌ لكبيرةٍ تهدد تقواه وتستوجب المبادرة إلى التوبة. فاجعل معيار إيمانك امتثال الأمر حين يخالف هواك.

2|279|فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا۟ فَأْذَنُوا۟ بِحَرْبٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ

اقطع الربا ولا تُصرّ عليه؛ فمن أبى تركه بعد قيام حكم الله فقد تعرّض لوعيدٍ مهولٍ بحربٍ من الله ورسوله ﷺ، ولا طاقة لأحدٍ بعقاب الله وسخطه. فبادر إلى إلغاء الزيادات الربوية، ولا تطالب المدين إلا بأصل مالك، ولا تستغل حاجته أو تؤخر خلاصه لتضاعف دينه. وإن كنت قد أخذت ربا، فتُب نادمًا، واعزم ألّا تعود، وردّ ما يجب ردّه بحسب الحكم الشرعي، واستعن بعالمٍ موثوقٍ ومختصٍّ أمين لترتيب الخروج من العقود القائمة دون ظلم. ولا تجعل تحريم الربا مبررًا لإسقاط أصل الدَّين؛ فللدائن رأس ماله، فلا يَظلم بأخذ زيادةٍ محرمة، ولا يُظلم بحرمانه من حقه. فالعدل أن يستردّ كل طرفٍ حقه المشروع، والتوبة الصادقة تُثبتها تسوية المعاملة وفق شرع الله؛ بإسقاط الربا، والاكتفاء برأس المال، وردّ الحقوق بلا ظلمٍ ولا مماطلة؛ فلا تأخذ فوق حقك، ولا تحبس حقَّ غيرك.

2|280|وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍۢ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍۢ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا۟ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ

أمهل المدينَ المعسر حتى يوسر، ولا تضغط عليه أو تُهِنْه أو تُحمّله زيادةً بسبب عجزه؛ فالواجب إن ثبتت عسرته فعليك إنظاره إلى أن تتسع قدرته على السداد. فتثبّت من حاله بعدلٍ وستر، وخفّف عنه بما تستطيع، وجدول الدَّين بلا ربا، ولا تستغل حاجته لحبس مالٍ أو انتزاع منفعة. وإن أسقطت عنه بعض الدَّين أو كلَّه صدقةً ابتغاء وجه الله، فهو خيرٌ لك وأعظم أجرًا، ولا تُتبِع إحسانك بمنٍّ أو أذى. أمّا القادر المماطل فلا يُسوّى بالمعسر، بل يُطالب بالحق عبر الوسائل المشروعة والقضاء العادل، من غير ظلمٍ أو تشهير. وإن كنت مدينًا، فاصدق في بيان حالك، وابذل وسعك في الوفاء، ولا تتخذ الإعسار ذريعةً لأكل حقوق الناس؛ فالرحمة لا تُبطل العدل، والعدل لا ينزع الرحمة.

2|281|وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًۭا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

استعدّ ليومٍ تُردّ فيه إلى الله للحساب والجزاء، ولا تؤخّر توبةً أو حقًّا أو طاعةً كأنك ضمنت البقاء؛ فكل نفسٍ ستلقى وحدها ما كسبت، لا ما ادّعته أو تمنّته. فحاسب نفسك قبل الحساب، وصحّح إيمانك وعبادتك ومعاملاتك، وأدِّ الديون والأمانات، وردّ المظالم، واطلب العفو ممن آذيته، ولا تترك في ذمتك حقًّا تستطيع أداءه. واغتنم مالك ووقتك وقدرتك قبل زوالها، واجعل خوف الآخرة حاجزًا عن الحرام، ورجاء رحمة الله دافعًا إلى التوبة والعمل الصالح، من غير اغترارٍ أو قنوط. ولا تتكل على نسبٍ أو جاهٍ أو صلاح غيرك؛ فلك ما كسبت وعليك ما اقترفت. واعلم أن الله يوفي كل نفسٍ عملها كاملًا بعدله وفضله، فلا تُنقص حسنة، ولا يُزاد في سيئة، ولا يُظلم أحدٌ مثقال ذرة. وسيجد كلُّ إنسانٍ ما قدّم حاضرًا، وتُستوفى الحقوق ممن ظلم أو اعتدى. فلا تُخفِ في صحيفتك ما تخشى لقاء الله به، وبادر إلى التوبة والإصلاح قبل يومٍ ينقطع فيه العمل ويبقى الحساب.

2|282|يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى فَٱكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌۢ بِٱلْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْـًۭٔا ۚ فَإِن كَانَ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُۥ بِٱلْعَدْلِ ۚ وَٱسْتَشْهِدُوا۟ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌۭ وَٱمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَىٰهُمَا ٱلْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُوا۟ ۚ وَلَا تَسْـَٔمُوٓا۟ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰٓ أَجَلِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَـٰدَةِ وَأَدْنَىٰٓ أَلَّا تَرْتَابُوٓا۟ ۖ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً حَاضِرَةًۭ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوٓا۟ إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌۭ وَلَا شَهِيدٌۭ ۚ وَإِن تَفْعَلُوا۟ فَإِنَّهُۥ فُسُوقٌۢ بِكُمْ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ

وثِّق الديون المؤجَّلة كتابةً، ولا تترك الحقوق للذاكرة أو الثقة المجردة؛ فإذا تعاملتم بدَينٍ إلى موعدٍ معلوم، فاكتبوا قدره وأجله وشروطه بوضوح. وليحرّر العقدَ كاتبٌ أمينٌ بالعدل، لا يميل لطرفٍ ولا يغيّر حقيقةً، ولا يمتنع القادر على الكتابة عمّا علّمه الله؛ فليجعل علمه أمانةً تحفظ الحقوق. وليُمِلِ المدينُ ما عليه؛ لأنه الأعرف بالتزامه، وليتقِ الله ربَّه، فلا ينقص من الحق مبلغًا أو شرطًا. فإن كان سفيهًا لا يحسن التصرف، أو ضعيفًا لصغرٍ أو مرضٍ ونحوه، أو عاجزًا عن الإملاء، فليُمِلِ وليُّه بالعدل دون زيادةٍ أو بخس. واستشهدوا على الدَّين رجلين مرضيين في دينهما وأمانتهما، فإن لم يوجد رجلان، فرجلٌ وامرأتان ممن ترضون من الشهداء، حتى إذا أخطأت أو نسيت إحداهما ذكّرتها الأخرى. ولا يمتنع الشهود إذا دُعوا لتحمّل الشهادة أو أدائها، ولا تكتموا ما يحفظ حقًّا أو يرفع ظلمًا. ولا تستثقلوا كتابة الدَّين، صغيرًا كان أو كبيرًا، مع تحديد أجله؛ فالتوثيق أعدل عند الله، وأثبت للشهادة، وأقرب إلى إزالة الشك والنزاع والنسيان. أمّا التجارة الحاضرة التي يتم فيها التقابض بينكم، فلا حرج في ترك كتابتها، مع مشروعية الإشهاد عند البيع حفظًا للحقوق. ولا تُلحقوا بالكاتب أو الشاهد ضررًا بالضغط أو التهديد أو التكليف المجحف، ولا يضرّ الكاتب أو الشاهد أحدًا بتحريفٍ أو كتمانٍ أو تعطيلٍ متعمّد؛ فإن وقع ذلك فهو فسوقٌ وخروجٌ عن الطاعة. فاتقوا الله في العقود والأموال والشهادات، وطبّقوا ما علّمكم من أسباب العدل وصيانة الحقوق؛ فالله بكل شيءٍ عليم، لا يخفى عليه صدقٌ ولا تحايلٌ ولا خيانة.

2|283|۞ وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍۢ وَلَمْ تَجِدُوا۟ كَاتِبًۭا فَرِهَـٰنٌۭ مَّقْبُوضَةٌۭ ۖ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًۭا فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِى ٱؤْتُمِنَ أَمَـٰنَتَهُۥ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ ۗ وَلَا تَكْتُمُوا۟ ٱلشَّهَـٰدَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٌۭ قَلْبُهُۥ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌۭ

احفظ الحقوق عند تعذّر الكتابة بالرهن المقبوض، ولا تجعل الثقة ذريعةً للخيانة أو كتمان الشهادة؛ فإذا كنتم في سفرٍ أو ظرفٍ لا تجدون فيه كاتبًا، فليأخذ الدائن رهنًا معلومًا في حيازته أو تحت سيطرته المعتبرة، يوثّق حقه ويُعاد إلى صاحبه عند الوفاء، من غير انتفاعٍ ظالمٍ به أو استيلاءٍ على ما يزيد على الحق. فإن وثق بعضكم ببعض وتركتم الرهن، فليؤدِّ المدينُ الدَّين كاملًا في موعده، وليتقِ الله ربَّه في الأمانة التي حُمّلها، ولا يماطل أو ينكر اعتمادًا على غياب الوثيقة أو الرهن أو الشهود؛ فالأمانة ثابتةٌ في ذمته، والله شاهدٌ عليه. وإذا شهدتَ حقًّا فلا تكتم شهادتك لمحاباةٍ أو خوفٍ أو منفعة؛ بل أدِّها بالصدق حين تُطلب، فإن كتمانها مع القدرة إثمٌ يفسد القلب ويكشف خيانته. واعلم أن الله محيطٌ بعقودكم ونياتكم ووفائكم وشهاداتكم، فلا يخفى عليه حفظ أمانةٍ ولا خيانتها.

2|284|لِّلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا۟ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ

طهّر سريرتك كما تُصلح علانيتك، ولا تُضمِر ما تستحي أن تلقى الله به؛ فلله وحده ما في السماوات والأرض، وأنت وقلبك ومالك تحت ملكه وسلطانه سبحانه. فراقب عقيدتك ونيتك وعزمك، واقتلع الشرك والنفاق والحسد وإرادة الظلم والمعصية، وبادر إلى التوبة قبل أن يصير فساد الباطن قولًا أو فعلًا. ولا تفزع من الخواطر العابرة والوساوس التي تكرهها ولا تختارها؛ فلا مؤاخذة بها ما لم تتبنّها أو تتكلم أو تعمل بمقتضاها، فاستعذ بالله، واقطع الاسترسال معها، ولا تيأس بسببها. واعلم أن الله يحاسبك على ما أظهرت وما أخفيت مما استقر في قلبك وتعلقت به إرادتك؛ فيغفر لمن يشاء برحمته وفضله، ويعذّب من يشاء بعدله وحكمته، ولا يظلم أحدًا. فاجعل باطنك أصلح من ظاهرك؛ فما خفي عن الخلق لا يخفى على الله، وهو على كل شيءٍ قدير.

2|285|ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍۢ مِّن رُّسُلِهِۦ ۚ وَقَالُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ

آمن بما أنزل الله على رسوله محمدٍ ﷺ إيمانًا كاملًا، ولا تنتقِ من الوحي ما يوافق هواك وتردّ ما سواه؛ فالرسول ﷺ والمؤمنون صدّقوا بالله وحده، وملائكته، وكتبه التي أنزلها، ورسله جميعًا. فآمن بكل رسولٍ بعثه الله من غير جحودٍ لأحدٍ منهم، مع العلم أن الله فضّل بعضهم على بعض، وأن شريعة محمدٍ ﷺ هي الخاتمة الواجبة الاتباع بعد بعثته. واجعل موقفك من أمر الله: سمعنا وقَبِلنا ورضينا وأطعنا؛ فتعلّم حُكمه، ثم امتثله في عبادتك وأخلاقك ومالك وعلاقاتك، ولا تجعل المعرفة حجةً عليك بترك العمل. ومع الطاعة لا تغترّ بنفسك، بل اعترف بتقصيرك، واسأل ربك مغفرته وستره وتجاوزه، وجدّد التوبة كلما زللت. واستعدّ للرجوع إلى الله؛ فإليه وحده المصير، وبين يديه يُعرض إيمانك وطاعتك وتقصيرك. فالإيمان الحقُّ تصديقٌ لا يتزعزع، وطاعةٌ لا تنتقي، وذِكر لا يفتُر، واستغفارٌ لا ينقطع، واستعدادٌ دائمٌ ليوم الرجوع إلى الله.

2|286|لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًۭا كَمَا حَمَلْتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦ ۖ وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ ۚ أَنتَ مَوْلَىٰنَا فَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ

ابذل وُسعك في طاعة الله، ولا تجعل المشقة ذريعةً لترك ما تستطيع؛ فالله لا يكلّف نفسًا في شرعه إلا ما يدخل في قدرتها، ولها ثواب ما كسبت من خير، وعليها تبعة ما اكتسبت من شر، فلا يحمل أحدٌ عنك اختيارك وعملك. واستعن بربك قائلًا: لا تؤاخذنا بما وقع نسيانًا أو خطأً غير مقصود، ولا تحمل علينا تكاليف شاقةً وعهودًا ثقيلةً كما حُمِّلها من قبلنا، ولا تقدّر علينا من الابتلاء والشدائد ما لا نطيق احتماله. واسأله أن يعفو عن تقصيرك، ويغفر ذنبك، ويرحم ضعفك، ولا تعتمد على قوتك وحدها؛ فهو مولاك الذي يتولى أمرك وينصرك. وخذ بأسباب الثبات، وانصر الحق بالعدل والطاعة، واسأل الله النصرة على القوم الكافرين المعتدين دون ظلمٍ أو تجاوز؛ فنجاتك بين بذل الوسع، وتحمل مسؤولية العمل، والافتقار الدائم إلى عفو الله ومغفرته ورحمته ونصره.

 

الخاتمة الجامعة لهدايات سورة البقرة ومقاصدها العملية

تُقيم سورةُ البقرة حياتَك على العبودية الكاملة لله: أن تعرف الحق من وحيه، ثم تجعل ما عرفتَه حاكمًا لقلبك وعبادتك وأخلاقك وأسرتك ومالك وعلاقاتك وحقوقك وموقفك من القوة والضعف والسلم والصراع والدنيا والآخرة؛ فلا يكون الإسلام عندك اعتقادًا منفصلًا عن الحياة، ولا تختار من أوامر الله ما يوافق رغبتك وتترك ما يشق عليك. والإنسان الذي يصنعه هذا الوحي يصدق بما غاب عنه مما أخبر الله به، ويحافظ على الصلاة، ويبذل مما رزقه الله، ويؤمن بوحيه كله، ويعيش مستيقنًا أنه عائد إليه؛ فلا يشبه مَن يرفض الحق بعد قيام حجته، ولا مَن يُظهر الصلاح ويخفي الكفر والفساد، ويتلون بحسب مصلحته، ويحسب خداع المؤمنين نجاةً وهو في الحقيقة يخدع نفسه. فصلاح القلب شرط للانتفاع بالوحي: قد يسمع اثنان البيان نفسه فيزداد أحدهما هدىً لأنه يريد الطاعة، ويزداد الآخر ضلالًا لأنه اختار نقض العهد وقطع ما أمر الله بوصله والإفساد؛ فلا تجعل فساد الإرادة يُفسد عليك وضوح الدليل. اعبد الله وحده لأنه خالقك وخالق مَن قبلك، ومهيئ أسباب حياتك ورزقك، ولا تجعل معه شريكًا في عبادة أو دعاء تعبدي أو خوفٍ ورجاء لا يستحقهما إلا هو، ولا تمنح سببًا مخلوقًا قدرةً مستقلة عنه. والقرآن كلام الله المنزل بالحق، وحجته قائمة لا يبطلها اعتراض المترددين ولا عجز البشر عن معارضته؛ فاستقبل خبره بالتصديق وحكمه بالانقياد، واعلم أن النهاية الحقيقية لأعمالك ليست ما تحصله في الدنيا، بل ما تلقاه عند الله من نعيم أو عذاب. والأمثال التي يضربها الله ليست مادةً للاستهزاء أو الاعتراض؛ المؤمن يتعرف بها الحق ويزداد فهمًا، أما الفاسق فيتخذها مدخلًا لمزيد من الانحراف بسبب فساد موقفه السابق من عهد الله وحقوق الخلق. فإذا أشكل عليك بيانٌ من الوحي فاطلب فهمه بقلب يريد الامتثال، لا بقلب يبحث عن حجةٍ للرفض. وتكشف بدايةُ قصة الإنسان أن الله هو الذي يمنح العلم والفضل ويضع عباده حيث يشاء، وأن آدم عليه السلام خُلق وعُلِّم وأُسكن الأرض هو وذريته ليعيشوا تحت هداية ربهم ومسؤولية التكليف، وأن الملائكة امتثلوا أمر الله بينما أسقط الكبرُ إبليسَ عندما أبى الانقياد. فلا تجعل شعورك بالتميز سببًا لرد أمرٍ أو حسد صاحب فضل، ولا تتجاوز حدًّا شرعيًّا لمجرد أن المباح أمامك واسع؛ فالشيطان قد يبدأ بك من حد صغير ثم يجرُّك إلى خسارة أكبر. وإذا وقعت في الذنب فلا تجعل الزلة هويةً ملازمةً لك؛ باب العودة مفتوح لمن يعترف ويتوب ويصحح، وقد نزل الإنسان إلى الأرض ومعه قانون حياته: النجاة في اتباع هداية الله، والخسارة في الإعراض عنها والاستجابة لعدوه وهواه. ولذلك فمسؤوليتك في الأرض ليست استقلالًا عن خالقك، بل خلافة أجيالٍ لبعضها وابتلاءٌ بالعلم والاختيار والعمل تحت أمره. وتضع السورة أمامك تاريخ بني إسرائيل مرآةً تحذرك من أن تتحول النعمة والمعرفة الدينية إلى حجة عليك. أنعم الله عليهم بالوحي والرسل والنجاة من الاستعباد والطغيان، وبالماء والطعام والحماية والآيات، ثم وقع من طوائف منهم نقض العهود، وعبادة غير الله، والتعنت، والتحايل، وكتمان الحق، وخلطه بالباطل، وتحريف الكلام بعد فهمه، وكتابة الباطل ونسبته إلى الله، وقتل أنبياء، والاعتداء، والتذمر من النعم، والاتكال على الأماني والنسب. فلا تظن أن العلم أو التاريخ الديني أو الانتساب إلى أمةٍ أو أسرةٍ صالحة يعوض غياب الطاعة؛ علِّم نفسك قبل أن تعظ غيرك، واستعن بالصبر والصلاة، ولا تتعامل مع النعمة كحق مكتسب يبيح لك العصيان. ومن عرف حكم الله ثم حاول إبقاء حقيقة المعصية مع تغيير صورتها لم يصبح مطيعًا؛ الحيل لا تُحلِّل ما حرمه الله. وتعلم من أمر البقرة أن السؤال المشروع هو الذي يكشف المطلوب ويعين على التنفيذ، أما تحويل السؤال إلى تعنتٍ وتأخيرٍ للامتثال فقد يجعل التكليف أثقل على صاحبه. وتعلم من الجريمة التي كُشف فاعلها بعد خفائها أن الله قادر على إظهار ما يستره البشر، وأن إحياء المقتول أمام قومه كان حجةً عمليةً على إمكان البعث؛ فلا تجعل غياب الحقيقة عن أعين الناس دليلًا على ضياعها، ولا تجعل الموت حاجزًا في تصورك أمام قدرة الخالق. واحذر أن ترى الآيات مرارًا ثم يقسو قلبك؛ المعرفة التي لا تُورث خشيةً وعملًا قد تترك صاحبها أشد جمودًا من مادةٍ لا تعقل. ولا تبنِ نجاتك على أماني دينية؛ مَن يختلق على الله حكمًا ليكسب منفعةً دنيوية، أو يحفظ ألفاظ الكتاب دون فهمٍ واتباع، أو يسمع الحق ثم يحرِّفه عمدًا، قد استبدل أمانة الوحي بمصلحة زائلة. لذلك لا تُفتِ بغير علم، ولا تنتقِ من الدين ما يخدمك، ولا تستعمل النص لتبرير قرار اتخذته مسبقًا. وأوفِ بعهد التوحيد والإحسان: أخلص العبادة لله، وأحسن إلى الوالدين وذوي القربى واليتامى والمساكين، وخاطب الناس بما يصلح، وأقم عبادتك وحقوق المال، واحفظ الدماء والديار. ولا تقع في التناقض الذي وقع فيه فريقٌ اعترف ببعض أحكام الله ثم تعاون على ما ينقضها؛ فالإيمان ببعض الوحي ورفض بعضه إذا مست الأحكام المصلحة الشخصية فسادٌ في حقيقة الاستسلام لله. وآمن بجميع رسل الله ولا تجعل الهوى والحسد والتعصب للموروث سببًا لرد رسولٍ جاءك بالحق. موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء عبادٌ لله ورسله، وعيسى عليه السلام ليس إلهًا ولا ابنًا لله، وقد أيّده الله بجبريل وبالبينات. وكل من صدَّق نبيَّه واتبع شريعته الصحيحة في زمنها قبل بعثة محمد ﷺ كان على دين الله الذي كُلِّف به؛ أما بعد بعثة محمد ﷺ فلا يكون الطريق المقبول مع بلوغ رسالته إلا الإيمان به واتباع شريعته الخاتمة، والقرآن هو الوحي النهائي المهيمن على ما سبقه. فلا تجعل اليهودية أو النصرانية أو أي هوية دينية لاحقة طريقًا مستقلًّا إلى الله بعد مجيء خاتم النبيين، ولا تنسب إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط هوياتٍ دينيةً نشأت بعدهم؛ كانوا لله مسلمين، ودين الأنبياء في أصل التوحيد واحد، وإن اختلفت بعض شرائعهم قبل أن تنسخها شريعة محمد ﷺ. ولا تعادِ الوسيط الذي اختاره الله لتبليغ وحيه؛ جبريل عليه السلام نزل بالقرآن بأمر الله، وعداوة ملائكته ورسله ليست خلافًا شخصيًّا بل موقفٌ من رسالة الله نفسها. وبرِّئ أنبياء الله مما افتراه المبطلون؛ فسليمان عليه السلام لم يكن ساحرًا ولا كافرًا، وإنما الكفر في تعلُّم السحر الذي علَّمته الشياطين واستعماله فيما حرَّم الله. فلا تتعلم السحر ولا تطلبه ولا تلجأ إلى ساحرٍ أو كاهنٍ أو عراف، ولا تنسب لأحدٍ علم الغيب أو تأثيرًا مستقلًّا في النفع والضر؛ قد يقع أثر بعض الأسباب بإذن الله الكوني، لكنها لا تخرج عن قدرته ولا تصبح بذلك مشروعة. واحفظ مقام رسول الله ﷺ في خطابك وطاعتك، ولا تستعمل معه لفظًا يحتمل الاستهزاء أو الانتقاص، ولا تجعل كثرة الأسئلة ستارًا للتعنت. واعلم أن الله يشرع بعلمٍ أزلي كامل وحكمةٍ تامة؛ فإذا نقل عباده من حكم إلى حكم في مراحل التشريع فليس ذلك اكتسابًا لعلمٍ جديد، بل تنزيلٌ لما علمه وقدره بحسب حكمته. فلا تجعل النسخ مدخلًا للطعن في الوحي، ولا تجعل حسد مَن يتمنى ردَّك عن إيمانك سببًا للتنازل. واعفُ واصفح حيث يكون العفو مأمورًا ومصلحةً ولا يضيع حقًّا واجبًا، واستمر في العبادة والإحسان؛ فالخير الذي تقدمه محفوظ عند الله. ولا تقبل دعوى أن الجنة حكرٌ على اسمٍ أو نسب؛ النجاة لا تُنال بمجرد الانتساب، بل بالإيمان الصحيح والاستسلام لله واتباع رسوله والعمل الصالح. ومَن آمن من أتباع الأنبياء السابقين حقًّا واتبع رسول زمانه قبل بعثة محمد ﷺ فله حكم أهل الإيمان في زمنه؛ أما مَن بلغه خاتم الرسل ثم رفضه فلا ينفعه انتسابه إلى رسالةٍ سابقة. ولا تجعل اختلاف اليهود والنصارى فيما بينهم سببًا للحيرة؛ الله يحكم بينهم، وأنت تتبع وحيه الخاتم. وعظِّم المساجد ولا تسعَ في تعطيل ذكر الله فيها أو تخريبها، واعلم أن كل الجهات ملكه؛ فلا تُعبد جهة أو حجر، وإنما يُطاع مَن أمر بالتوجه إليها. ونزِّه الله عن الولد والشبيه والشريك؛ هو خالق السماوات والأرض ومبدعهما، وإذا أراد شيئًا فلا يعجزه. واجعل رضا الله أعلى من رضا الجماعات؛ مَن جعل رضا الناس معيارًا سينتهي إلى التنازل بلا نهاية، أما هدى الله فهو المعيار. والتلاوة الحقة للوحي ليست تحسين الصوت فقط، بل فهمُه وتصديقُه واتباعُه. ومن هنا يعيدك القرآن إلى إبراهيم عليه السلام: عبدٌ ابتُلي فوفّى، فجعله الله إمامًا، وبيَّن أن مقام القيادة في الدين لا يناله الظالم لمجرد النسب. فالمكانة أمانةٌ ترتبط بالطاعة، لا ميراثًا عرقيًّا أو عائليًّا. وعظِّم البيت الحرام لأنه موضع عبادة الله، لا لأن البناء يُعبد أو يملك شيئًا بذاته. وتعلَّم من إبراهيم وإسماعيل أن أعظم الأعمال لا تستغني عن طلب القبول، وأن الأمن والرزق والهداية والذرية الصالحة تُطلب من الله مع بذل أسبابها. واجعل أعظم ما تورثه أبناءك أن يعيشوا لله مسلمين، وأن يتعلموا عبادته ويتوبوا إليه ويتبعوا الرسول الذي أرسله ليبلِّغ الوحي ويعلِّم الحكمة ويزكي النفوس. صلاح الآباء لا يغني عن الأبناء، وماضي الأسرة لا يُكتب في صحيفة الحاضر؛ لكل نفس ما عملت. وتصنع السورة للأمة المسلمة هويةً مستقلةً قائمةً على العدل والاستقامة والشهادة للحق. وتحويل جهة الصلاة امتحن صدق الاتباع: حين تغيّر الأمر وجب أن يتغير المألوف معه، ولم تضِع عبادة مَن أطاع الله قبل التحويل؛ فالله رحيمٌ لا يبطل طاعةً وقعت وفق أمره السابق. فلا تعبد الشكل، ولا تجعل العادات أثقل من النص، ولا تجعل اعتراض الآخرين مانعًا من تنفيذ ما ثبت عن الله. والاعتدال الذي يريده الإسلام ليس تسويةً بين الحق والباطل، بل عدلٌ واستقامةٌ على الوحي، تؤهل الأمة للشهادة بالحق لا للتلون معه. وتنافس في الخير، واجعل الرسالة التي جاء بها محمد ﷺ تعليمًا وتزكيةً معًا؛ فالمعلومة الدينية التي لا تطهر القلب ولا تصلح السلوك لم تحقق غايتها. وقوِّ قلبك بالذكر والشكر والصبر والصلاة؛ لأن الطريق إلى الله ليس وعدًا بحياةٍ خاليةٍ من الألم. ستأتي مخاوف وجوع وخسائر في المال والأنفس والثمرات، فلا تجعل البلاء دليلًا على أن الله تخلّى عنك، ولا تجعل الإيمان بالقدر ذريعةً لترك أسباب الوقاية. استقبل المصيبة بمعرفة أنك ملكٌ لله وأن مرجعك إليه، واصبر دون إنكار الألم الطبيعي. ومن قُتل في سبيل الله له حياةٌ برزخيةٌ خاصة أخبر الله بها، فلا تصفه بالعدم ولا تتكلف كيفيتها. وعظِّم الشعائر التي شرعها الله ولو استعملها أهل الجاهلية قديمًا في غير حقها؛ الشرع هو الذي يحدد قيمتها الحالية. ولا تكتم البيان بعد أن يتعين عليك إظهاره؛ مَن أخفى ما يحتاج الناس إليه من الحق طلبًا لمالٍ أو مكانةٍ أو خوفٍ من الناس عرَّض نفسه لوعيدٍ شديد، لأن جريمته لا تقف عند نفسه بل تحجب الهداية عن غيره. وطريق التوبة من هذا النوع لا يكتمل بالندم الداخلي؛ أصلح ما أفسدت، وبيّن ما كتمت. ولا تؤخر رجوعك حتى الموت؛ مَن انتهت حياته على الكفر بعد قيام الحجة عليه لا تعود له فرصة العمل. واجعل توحيد الله مركز رؤيتك للكون: تعاقب الليل والنهار، والماء الذي يحيي الأرض، والسفن، والرياح، والسحاب، وسائر النظام الكوني أسبابٌ وآيات تقود العقل إلى خالقٍ واحد رحيمٍ قدير. فلا تحول دراسة الأسباب إلى عبادةٍ للطبيعة، ولا تمنحها استقلالًا عن مُوجدها. ولا تجعل محبتك التعبدية لمخلوق كمحبتك لله؛ فالمؤمن يجعل أعظم حبّه وخضوعه لله، والقيادات التي يُتبع أصحابها في الباطل ستتبرأ يوم القيامة من أتباعها، ولن تنفعهم الروابط التي بنوها على مخالفة الحق. وكل من رزق الله الحلال الطيب، واترك الخبيث والمحرم، ولا تتبع خطوات الشيطان؛ غالبًا لا ينقلك إلى النهاية دفعةً واحدة، بل يبدأ بخطوةٍ صغيرة في السوء والفحشاء والقول على الله بلا علم. ولا تجعل عادة الآباء حجةً مستقلة؛ ما ورثتَه يُعرض على الوحي، لا الوحي على ما ورثت. والسمع بلا فهمٍ وانقياد لا يصنع هداية. وإذا اضطررت إلى محرمٍ لحفظ النفس ونحوها في ضرورةٍ حقيقية، فخذ من الرخصة بقدرها من غير رغبةٍ في الحرام ولا تجاوز؛ فالشريعة تجمع بين حفظ حدود الله ورفع الحرج المشروع. ولا تختزل الصلاح في جهة صلاةٍ أو مظهرٍ أو شعار. الإنسان البرُّ يجمع اعتقادًا صحيحًا بالله والآخرة والملائكة والوحي والأنبياء، وبذلًا للمال مع محبته في وجوه الحاجة والتحرير، وإقامةً للعبادة، ووفاءً بالعهد، وثباتًا في الفقر والمرض والخوف والقتال. فالدين منظومةٌ واحدة: الاعتقاد بلا أثرٍ عملي ناقص، والعمل الظاهر بلا أصل الإيمان لا يحقق حقيقة البر. واحفظ الدماء بالعدل الذي شرعه الله؛ القصاص لا يُنفذه الأفراد ثأرًا، بل تقوم به السلطة والقضاء المختصان وفق الشريعة، ومع ذلك فتح الله باب العفو والدية في مواضعهما. فالمقصد حماية الحياة وردع القتل ومنع سلسلة الانتقام، لا مضاعفة الدماء. واحفظ الوصايا والحقوق في نطاق ما أبقته الشريعة من أحكامها، ولا تبدِّل حقًّا لمصلحة وارثٍ أو قريب، وأصلح إذا ظهر انحرافٌ أو ظلم؛ فشكل الإجراء لا يقدَّس إذا صار أداةً لأكل الحقوق. وصُم رمضان لتصنع التقوى: اضبط شهوتك، واربط الشهر بالقرآن الذي يميز الحق من الباطل، وأكمل ما أوجب الله عليك، واشكره على الهداية. والمريض والمسافر وغيرهما ممن جعلت لهم الشريعة رخصًا لا يُطلب منهم تعذيب النفس، بل يعملون بالحكم الذي شرعه الله لكل حالة، بما فيه القضاء أو الفدية حيث تجب. وبين أحكام الصيام يفتح الله لك باب الدعاء المباشر؛ فلا تحتاج وسيطًا تعبده أو تدعوه، بل ادعُ ربك واستجب له. وفي الليل أباح الله للزوجين ما يناسب الفطرة في وقته المشروع، وحدَّ حدود الاعتكاف والصيام؛ فلا تجعل العبادة عداءً للجسد، ولا تجعل الجسد ذريعةً لتجاوز أمر الله. التقوى تظهر قبل تجاوز الحد، لا في الاعتذار بعد الاستهانة به. واجعل المال اختبارًا للعبودية: لا تأكل أموال الناس بالباطل، ولا تستخدم الرشوة أو النفوذ أو القضاء للحصول على شيءٍ تعلم أنه ليس لك؛ الحكم الظاهري المبني على الكذب لا يجعل الحرام حلالًا عند الله. واستعمل المواقيت التي جعلها الله لتنظيم العبادات والمصالح، ولا تجعل شعائر جاهلية أو طقوسًا مخترعة معيارًا للصلاح؛ التقوى هي أن تدخل أمر الله من بابه الصحيح، لا أن تتعبد بعادةٍ لم يشرعها. وفي مواجهة العدوان لا تحذف من الإسلام ما شرعه الله من الجهاد والقتال في سبيله، ولا تحوِّله إلى شعارٍ مبهم لإرضاء أحد؛ كما لا تحوِّله إلى عنفٍ فردي أو عدوانٍ مطلق. القتال المشروع يكون تحت الولاية الشرعية وضوابطها، ضد مَن يُقاتَل شرعًا، مع منع تجاوز الحد. وقد شرع في سياق صد المعتدين ودفع الاضطهاد الذي يفتن المؤمن عن دينه ويخرجه من داره، حتى تزول القدرة التي تُكره الناس على ترك دين الله ويزول الاعتداء؛ فإذا انتهى العدوان وجب الكف، فلا يُستباح مَن كفَّ عن القتال، ولا يُتجاوز إلى غير المستحق. واحفظ حرمة المسجد الحرام والأزمنة التي جعل الله لها حرمة، ولا تجعل جريمة خصمك ترخيصًا لك في مخالفة ربك. وإذا اعتُدي عليك فلك ردٌّ مماثل في حدوده الشرعية، لا انتقامٌ مفتوح. وأنفق في سبيل الله ولا تجعل البخل سببًا في انهيار واجبٍ جماعي، ولا تُلقِ بنفسك إلى الهلاك بالتفريط أو التهور؛ فالشجاعة ليست إلغاءً للعقل والأسباب. وأحسن في استعمال القوة والمال. وفي الحج والعمرة اجعل قصدك لله وحده، وأدِّ ما شرعه من إحرامٍ وذكرٍ وهديٍ وفديةٍ ووقوفٍ ومبيتٍ وسائر الأحكام بحسب حالك، واترك الفسق والخصام والشهوة المحرمة أثناء النسك. خذ زادك المادي، لكن اجعل أعظم ما يصحبك مراقبة الله. ولا تجعل التجارة المباحة مناقضةً للعبادة؛ يجوز طلب الرزق ما دام النسك محفوظًا. وبعد أداء المناسك لا ترجع إلى مفاخرة الجاهلية بالأنساب؛ ازدد ذكرًا واستغفارًا، واطلب خير الدنيا بما يخدم طاعة الله، وخير الآخرة، والنجاة من النار. ولا تنخدع بحلاوة الكلام؛ قد يتكلم إنسان بما يعجبك ويستشهد بالله على صدقه ثم يكشف فعله عن فسادٍ وعدوانٍ وتدميرٍ للمصالح والأنفس، ويزيده النصح كبرًا. فقيِّم الأشخاص والبرامج بما يحققونه من حق وعدل، لا بما يصنعونه من انطباع. وفي المقابل، هناك من يقدِّم نفسه ومصلحته طلبًا لرضا الله؛ فاجعل مرضاته أغلى من الصورة الاجتماعية والمنفعة العاجلة. وادخل في الإسلام كله؛ لا تصنع نسخةً شخصية من الدين تأخذ منها العبادات التي تحبها وتترك أحكام المال والأسرة والقوة والأخلاق والجهاد حين تخالف رغبتك. بعد ظهور البينات قد يكون سبب الاختلاف البغي والحسد لا نقص المعلومات؛ فاسأل الله أن يهديك إلى الحق ثم الزمه. ولا تظن أن الجنة تُنال بالدعوى دون اختبار؛ طريق المؤمنين عرف الشدة والخوف والزلزلة، فلا تجعل طول البلاء دليلًا على بطلان الطريق أو على أن الله تخلى عن أهله. وأنفق على الوالدين والأقربين واليتامى والمساكين والمسافر المحتاج بحسب الحقوق والحاجات، واعلم أن الخير لا يضيع. وإذا فرض الله القتال فقد تنفر منه النفس لما فيه من خطر، كما قد تحب شيئًا يضرها؛ فلا تجعل مشاعرك وحدها معيارًا للحكم. الله يعلم ما لا تعلمه من العواقب، فاخضع لحكمه مع فهم شروطه وحدوده، ولا تستخدم هذا الأصل لتبرير قرارٍ شخصي بلا دليل شرعي. واحفظ حرمة الأزمنة والأمكنة حتى أثناء الصراع، واعلم أن صد الناس عن الإسلام وإكراه المؤمنين على ترك دينهم وإخراجهم من ديارهم من أعظم صور العدوان. وقد يستمر المعتدون في محاولة رد المؤمن عن دينه؛ فلا تستخف بهذا الخطر. ومَن يرتد عن الإسلام ثم يموت على الكفر يلقى عاقبة الكافرين، أما المؤمن الذي يهاجر ويجاهد في سبيل الله فيرجو رحمته ولا يستغني بعمله عنها. واجتنب الخمر والميسر؛ قد توجد فيهما منافع دنيوية جزئية، لكن ضررهما الديني والعقلي والمالي والاجتماعي أعظم، وقد استقر في الشريعة تحريمهما، فلا تجعل الربح أو اللذة حجةً على حكم الله. وأنفق من الفاضل المناسب بعد قيامك بالحقوق الواجبة، وفكر في أثر قراراتك في الدنيا والآخرة. وأصلح أموال اليتامى وأحوالهم، ولا تستغل ضعفهم؛ المخالطة التي تقصد الإصلاح جائزة، والله يعلم مَن يريد الإصلاح ومَن يتستر به على الإفساد. واجعل التوحيد أساس الأسرة؛ لا تُنشئ رابطة زواجٍ مع مشرك أو مشركة حيث منع الشرع ذلك، ولا تجعل جمالًا أو مالًا أو جاهًا مقدَّمًا على الإيمان، لأن الأسرة طريقٌ يؤثر في الدين والذرية والمصير. وفي الحيض يمتنع الجماع حتى الطهر، لا المخالطة الإنسانية كلها؛ فلا تُهِن المرأة باسم الطهارة، ولا تتجاوز الحد باسم الرغبة. والعلاقة الزوجية تكون في الموضع الذي جعله الله طريقًا للنسل، بأي هيئةٍ مباحة، ولا يجوز تحويلها إلى فعلٍ حرمه الشرع؛ فحتى أكثر شؤون الجسد خصوصيةً تخضع للعبودية لله. ولا تجعل الأيمان وسيلةً لتعطيل البر والتقوى والإصلاح، واعلم أن المؤاخذة ليست على ما يجري بلا قصدٍ معتبر، وإنما على ما تعمَّده القلب. وإذا حلف الرجل على ترك معاشرة زوجته فلا يُترك الضرر مفتوحًا بلا نهاية؛ إما رجوعٌ وإصلاح وإما فراقٌ بعد المدة التي حددها الشرع. وفي الطلاق لا تجعل المرأة رهينةً للانتقام: لها مدةٌ تحفظ الأنساب وتفتح باب المراجعة، ولها حقوقٌ بالمعروف، وعلى الزوج مسؤوليةٌ إضافية في إدارة الأسرة والرجعة ضمن حدود الله لا في الظلم والاستبداد. والطلاق القابل للرجوع له حدوده، ثم يكون القرار إمساكًا بمعروف أو فراقًا بإحسان. ولا تسترد ما دفعت ظلمًا، إلا في الخلع المشروع حين يخاف الزوجان عجزهما عن إقامة حدود الله. وإذا وقع الطلاق الثالث فلا تُعاد المرأة لزوجها الأول حتى تتزوج زواجًا حقيقيًّا بزوجٍ آخر ثم ينتهي ذلك الزواج على وجهه الطبيعي؛ فلا تتحايل بزواجٍ صوريٍّ معدٍّ سلفًا لإعادتها. ولا تستخدم الرجعة للإضرار، ولا تمنع المرأة بعد انتهاء عدتها من زواجٍ مشروع تراضت عليه. واحفظ حق الطفل في الرضاعة والنفقة، واجعل الفطام بالتشاور، ولا تجعل الطفل وسيلةً لإيذاء أحد والديه. واحفظ عدة المتوفى عنها زوجها وما يتعلق بها من حقوق، واضبط الخطبة أثناء العدة بما أباح الله، ولا تعقد سرًّا ما منعك منه. وإذا وقع الطلاق قبل الدخول فاحفظ المهر والحقوق بحسب الحالة، ولا تجعل نهاية الزواج نهايةً للفضل والإنسانية. وللمطلقة حقٌّ من المتاع بالمعروف بحسب ما شرع الله؛ لا تتحول القطيعة إلى تجريدها من كل إحسان. وفي قلب هذه التفاصيل الأسرية يأمرك الله بالمحافظة على الصلاة، حتى تعرف أن القوانين وحدها لا تحفظ البيوت؛ لا بد من قلبٍ يراقب الله. وإذا كنت في خوفٍ حقيقي فأدِّ الصلاة بحسب استطاعتك، فإذا عاد الأمن فارجع إلى هيئتها الكاملة. فالنظام الأسري الذي تبنيه السورة يقوم على التقوى، والعدل، وحفظ الحقوق، ومنع الضرر، والتشاور، والإحسان حتى عند الفراق. ولا تظن أن كثرة الاحتياط تستطيع إلغاء الموت؛ مَن فرّوا من ديارهم خوفًا منه لم يخرجوا عن قدر الله، ومع ذلك لا يعني هذا ترك أسباب السلامة. لا تعبد السبب ولا تهمله. وإذا وجب القتال في سبيل الله فلا يبرر خوف الموت ترك الواجب، كما لا يبرر الإقدام إهمال التخطيط أو تجاوز الحدود. وأنفق في سبيل الله واعلم أن ما تقدمه لا يضيع، وأن الرزق قبضًا وبسطًا بيد الله. وتحوِّل قصة طالوت القتال من اندفاعٍ عاطفي إلى منظومة قيادةٍ وانضباط. لا تطلب المسؤولية عند الحماس ثم تنكص إذا جاءت تكلفتها. القيادة لا تُقاس بالثروة والنسب وحدهما؛ تحتاج علمًا وقدرةً تناسب المهمة وأهليةً يختارها الشرع والواقع الصحيح. والاختبار الصغير يكشف مَن يملك انضباطًا قبل الشدة الكبرى، وقلة العدد لا تعني الهزيمة إذا ثبت أهل الإيمان وأخذوا بأسبابهم؛ النصر مِن الله لا من العدد مستقلًّا عنه. وقد جعل الله على يد داود عليه السلام نهايةً لطغيان جالوت، وبيَّن أن دفع المعتدين بعضهم ببعض يحفظ الأرض من فسادٍ أوسع؛ فالقوة المشروعة قد تكون ضرورةً لحماية الحق، وليست السلامة في ترك الظالم بلا ردع. وآمن بجميع الرسل مع الإقرار بأن الله فضّل بعضهم بما شاء، من غير أن يبيح ذلك تكذيب واحدٍ منهم أو رفع أحدٍ منهم إلى الألوهية. وما وقع من اقتتال الناس بعد وضوح البينات لم يكن بسبب نقص الوحي، بل بسبب اختياراتهم واختلاف إراداتهم، وكل ذلك داخل مشيئة الله من غير أن يحب كل ما يقع منهم شرعًا. وأنفق قبل اليوم الذي تنقطع فيه قدرة المال والصداقة على شراء النجاة، ولا شفاعة نافذة لأحد إلا بإذن الله ورضاه. واعرف ربك معرفةً تهدم كل تعلقٍ باطل: هو وحده المستحق للعبادة، حيٌّ لا يموت، قائمٌ على خلقه لا يلحقه نومٌ ولا فتور، يملك كل ما في السماوات والأرض، ولا يتقدم أحد بين يديه بشفاعةٍ إلا بإذنه، وعلمه محيطٌ بما كان وما يكون، ولا يحيط الخلق بشيءٍ منه إلا بما علّمهم، ولا يثقله حفظ الكون، وهو المتعالي العظيم. فلا تنسب لنبي أو ولي أو ملك علمًا مطلقًا، أو تصرفًا مستقلًّا، أو شفاعةً يفرضها على الله، ولا تدعه فيما لا يقدر عليه إلا الله. وقد صار طريق الحق متميزًا عن طريق الضلال، فلا يتحول القلب إلى مؤمن بمجرد إكراهه على التصديق؛ الإيمان الحقيقي اختيارٌ وانقياد، ومَن يرفض كل معبودٍ ومطاعٍ متجاوزٍ لحد الله ويؤمن بالله يتمسك بأوثق طريق. ولا تجعل عدم إكراه القلب ذريعةً لإلغاء بقية أحكام الشريعة التي تتعلق بالمجتمع والدولة والجهاد والقضاء والحدود حيث شرعها الله، كما لا تجعل وجود تلك الأحكام مبررًا لادعاء أن القهر وحده يصنع الإيمان. الله يتولى المؤمن فيخرجه من ظلمات الاعتقاد والعمل إلى نور الهدى، أما الطواغيت فتقود مَن يتبعها إلى الظلمات. وثبِّت يقينك بالبعث والقدرة الإلهية بحجج السورة: الجدل مع الملك المتكبر يعلِّمك أن الحجة الواضحة تُسقط المراوغة، فلا تغرق في جدالٍ لا نهاية له إذا انكشف العناد. وإحياء مَن أماته الله زمنًا طويلًا يعلِّمك أن تحلل الأجساد وطول الزمن لا يعجزان الخالق. وسؤال إبراهيم عليه السلام عن كيفية إحياء الموتى كان طلبًا لزيادة الاطمئنان مع أصل الإيمان، لا إنكارًا؛ ففرّق بين سؤالٍ صادق يطلب الفهم وبين اعتراضٍ يتخذ الجهل بالكيفية حجةً لرد الخبر. واجعل الإنفاق مدرسةً للإخلاص والثقة بالله: ما تبذله ابتغاء وجهه ينمِّيه لك أضعافًا، فلا تُفسده بالمن أو الأذى أو الرياء. كلمةٌ كريمة وسترٌ خيرٌ من عطاءٍ يهين المحتاج. وأنفق من الطيب الذي تحب أن تأخذه أنت، لا من الرديء الذي تريد التخلص منه؛ الله غنيٌّ عن مالك، وإنما أنت الذي تحتاج إلى تطهير نفسك. لا تستسلم لتخويف الشيطان بالفقر، فالله يعدك فضلًا ومغفرة. وأخفِ الصدقة حين يكون الإخفاء أحفظ للإخلاص والفقير، وأظهرها إذا كانت هناك مصلحة صحيحة، وابحث عن المتعفف الذي لا يلح في السؤال، حتى يصبح العطاء عادةً مستقرة في الليل والنهار والسر والعلن. ولا تحمل نفسك مسؤولية هداية قلب المتلقي؛ أنت مسؤول عن صدق الإنفاق، والهداية بيد الله. واجتنب الربا حقيقةً واسمًا؛ لا يصبح الحرام حلالًا لأن السوق غيّر مصطلحه، والله ميَّز البيع المشروع من الزيادة الربوية. وإذا بلغك الحكم فاترك الربا كله، ولا تستهِن بالإصرار عليه؛ فقد توعَّد الله مَن يرفض تركه بعد البيان بحربٍ من الله ورسوله، وهو من أشد الوعيد في المعاملات. فإن تبت فلك أصل مالك بلا ظلمٍ منك ولا عليك، فلا تربح من حاجة المدين ولا تستبيح زيادةً لمجرد مرور الزمن. وإذا كان المدين معسرًا فأمهله حتى يقدر، والصدقة عليه خيرٌ عند الاستطاعة. ولا تجعل الزيادة الرقمية دليلًا على البركة؛ قد يمحق الله مالًا كثيرًا بني على الحرام ويبارك قليلًا طاهرًا. واستحضر يومًا تعود فيه إلى الله وتُوفى كل نفسٍ ما كسبت بلا ظلم. وابنِ معاملاتك على الأمانة والتوثيق معًا. اكتب الديون المؤجلة بالعدل، وليُملِ مَن عليه الحق ما عليه بلا نقص، ولينب عنه وليٌّ عادل إذا عجز، وأقم الشهادة، ولا تُضر الكاتب أو الشاهد، ولا تحتقر توثيق دينٍ صغير. واستعمل في السفر وغيره وسائل الضمان التي شرعها الله، وإذا قام التعامل على الثقة فليؤد المؤتمن الأمانة وليتق الله، ولا تكتم شهادةً يحتاج إليها الحق. فالتقوى الداخلية تمنع الخيانة، والإجراء الخارجي يحفظ الحقوق ويقلل النزاع؛ لا تجعل حسن الظن ذريعةً للفوضى، ولا تجعل التوثيق اتهامًا أخلاقيًّا للطرف الآخر. وتختم السورة بإرجاع كل شيء إلى ملك الله وعلمه وعدله: ما في السماوات والأرض له، وما تخفيه في نفسك وما تظهره معلومٌ له. فلا تجعل الدين رقابةً اجتماعيةً فقط؛ أصلح النية والقصد كما تصلح الفعل. والوساوس القهرية العابرة التي لم يتبنها القلب ولم يعمل بها العبد ليست كالعزم المختار، والله يحاسب بعدله ويغفر ويعذب بحكمته. والمؤمن الصادق يصدق بالله وملائكته وكتبه ورسله، ولا يجعل الإيمان قائمةً ينتقي منها، ثم يحول ما عرفه إلى طاعة. ومع هذا الشمول لا يكلِّف الله الإنسان بما يتجاوز استطاعته؛ له ثمرة ما تعمده من خير، وعليه تبعة ما اكتسبه من شر، فلا تُحمِّل غيرك مسؤولية اختيارك، ولا تجعل محدودية القدرة عذرًا لترك ما تقدر عليه. وخلاصةُ سورة البقرة أن العبودية لله لا تُختبر في المسجد وحده، بل في كل موضع يمكن أن يتقدم فيه الهوى على الوحي: في الاعتقاد، وفي قبول الرسول، وفي الانتماء والتاريخ، وفي الصلاة والصيام والحج، وفي المال والربا والديون والصدقات، وفي الزواج والطلاق والرضاعة والعدة، وفي الدماء والحقوق، وفي القيادة، وفي الخوف والموت، وفي الجهاد والقتال في سبيل الله، وفي الصبر عند الابتلاء، وفي استعمال العلم والقوة. فهي تبني توحيدًا يقطع كل ندّ، وعلمًا يمنع التحريف والتعنت، وتوبةً تعيدك بعد الزلل، وشكرًا يحفظ النعمة، وهويةً إسلامية لا تستمد حقها من نسبٍ أو ثقافة، وبرًّا يجمع الاعتقاد والعبادة والمال والوفاء والصبر، وأسرةً تضبطها التقوى والعدل وعدم الضرر، واقتصادًا يرفض الاستغلال والربا ويحفظ الحقوق بالأمانة والتوثيق، وإنفاقًا يطهر النفس، وقوةً شرعيةً تدفع العدوان دون أن تتحول إلى عدوان، وقيادةً تقاس بالأهلية والطاعة، ويقينًا بأن الحياة والموت والرزق والنصر والبعث كلها بيد الله مع وجوب الأخذ بالأسباب. وعهدُ سورة البقرة الذي يُعاش أن لا تعرف حكمًا من الله ثم تتحايل عليه، ولا تسأل لتؤخر امتثاله، ولا تؤمن بجزءٍ من الوحي وتترك جزءًا حين يمس مصلحتك، ولا تجعل نسبًا أو طائفةً أو قبلةً أو شعيرةً أو مالًا أو قائدًا أو عادةً بديلًا عن حقيقة العبودية؛ بل تجعل كل ما في حياتك تحت سلطان هداية الله، حتى يكون موقفك العملي من كل أمرٍ بيَّنه ربك: أفهمه كما أراد، وأقبله كما أنزل، وأؤديه بقدر استطاعتي، وأستغفره عن تقصيري، ولا أختار على أمره هوًى ولا مصلحةً ولا ضغطًا من أحد.

 

فهرس السور